COP29 في باكو: أذربيجان تعلن جاهزيتها وتطلق مبادرة B2B لتعزيز العمل المناخي العالمي
مع اقتراب موعد انعقاد مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين لتغير المناخ (COP29) في العاصمة الأذربيجانية باكو، تبرز تصريحات وزير البيئة والموارد الطبيعية والرئيس المعين للمؤتمر، مختار بابايف، كإشارة سياسية واضحة على حجم الرهانات الملقاة على عاتق الدولة المستضيفة. فالمؤتمر الذي يأتي في ظرف دولي حرج، يتزامن مع تصاعد الضغوط المناخية وتذبذب الالتزامات المالية من القوى العالمية، ما يجعل من COP29 محطة فارقة قد تحدد شكل المرحلة المقبلة من المفاوضات المناخية.
أذربيجان: طموح سياسي واعتبار جيوبيئي
منذ إعلان استضافتها للمؤتمر، تبذل أذربيجان جهوداً لإظهار قدرتها على إدارة هذا الاستحقاق الدولي المعقّد، في ظل توقعات مرتفعة من المجتمع الدولي. وقد أكد بابايف أن بلاده “واثقة من قدرتها على تحقيق تقدم حقيقي”، معتبراً أن نجاح المؤتمر لا يرتبط فقط بمدى جاهزية اللوجستيات، بل بمدى قدرة الرئاسة على خلق توافق بين الأطراف، خصوصاً في ملفات حساسة مثل تمويل المناخ، الخسائر والأضرار، والمسار نحو الحياد الكربوني.
ويعكس هذا التأكيد محاولة أذربيجان تقديم نفسها كـ وسيط محايد قادر على بناء جسور بين الدول النامية والمتقدمة، في وقت تحتاج فيه مفاوضات المناخ إلى صوت قادر على تخفيف التوترات ودفع الأطراف نحو حلول توافقية.
مبادرة B2B: من باكو إلى بيليم… رؤية مشتركة لبناء طموح جديد
من أبرز المؤشرات السياسية التي قدمتها أذربيجان هو إطلاق مبادرة “باكو إلى بيليم” (B2B) بالتنسيق مع البرازيل، التي ستترأس مؤتمر COP30. وتمثل المبادرة جسراً استراتيجياً بين المؤتمرين، بما يضمن انتقالاً سلساً في الملفات العالقة، وتعزيزاً لالتزامات الحفاظ على هدف 1.5 درجة مئوية.
هذه المبادرة تحمل دلالات مهمة:
-
أولاً: تثبيت دور أذربيجان في دينامية المناخ العالمية، بعيداً عن صورة الدولة المستضيفة فقط.
-
ثانياً: التعبير عن رغبة في توليد زخم سياسي جديد، يستعيد الثقة بين الأطراف بعد ضعف التقدم في المؤتمرات السابقة.
-
ثالثاً: إدراك واقعي بأن تحقيق تقدم في COP29 لن يتحقق دون تنسيق محكم مع رئاسة COP30 والبرازيل التي تلعب دوراً محورياً في قضايا الأمازون والتمويل المناخي.
مجموعة العشرين… عامل ضغط وحافز
تصريحات بابايف لم تُغفل الإشارة إلى دور مجموعة العشرين (G20)، وخصوصاً فريق العمل المخصص للتعبئة العالمية ضد تغير المناخ. ويكشف هذا التركيز عن إدراك أذربيجان لأهمية إشراك القوى الاقتصادية الكبرى في دعم مخرجات COP29، خصوصاً في ملف التمويل الذي يظل محور الأزمة بين الشمال والجنوب.
وحتى لو كانت المفاوضات داخل G20 تسير بوتيرة متباينة، فإن حضورها في السياق السياسي للمؤتمر يظل ضرورياً، لأنها الجهة التي تحدد فعلياً سرعة التغيير العالمي ونوعية الالتزامات المالية والتكنولوجية التي تحتاجها الدول النامية لتجاوز آثار التغير المناخي.
اتفاقيات ريو: نحو تكامل بيئي غير مسبوق
أحد الأبعاد التحليلية المهمة في تصريحات بابايف يتمثل في التوجه نحو تعزيز الروابط بين اتفاقيات ريو الثلاث:
-
اتفاقية تغير المناخ
-
اتفاقية التنوع البيولوجي
-
اتفاقية مكافحة التصحر
وهذا التوجه يحمل دلالات سياسية وبيئية حيوية:
-
أولاً: أن أذربيجان تدرك أهمية العمل متعدد الأطراف لمعالجة الأزمات البيئية المتشابكة.
-
ثانياً: أن الفصل بين هذه الاتفاقيات لم يعد مجدياً، لأن خسارة التنوع البيولوجي وتدهور الأراضي يرتبطان مباشرة بأزمة المناخ.
-
ثالثاً: أن رئاسة COP29 تسعى لتقديم نموذج جديد لتنسيق السياسات الدولية، خاصة بعد الإعلان عن تعاون مباشر مع الرئاسة الكولومبية لمؤتمر التنوع البيولوجي (COP16) والرئاسة السعودية لمؤتمر مكافحة التصحر (COP16).
نحو COP29 أكثر واقعية… وأكثر سياسية
في المحصلة، تعكس تصريحات مختار بابايف أن أذربيجان لا تنظر إلى COP29 كحدث بروتوكولي، بل كمنصة استراتيجية لإعادة بناء الثقة بين الأطراف، وتفعيل دور الدول الصاعدة، وتجاوز الجمود الذي طبع عدداً من دورات التفاوض الأخيرة.
ومع أن نجاح المؤتمر سيظل رهيناً بمدى استعداد القوى الكبرى لتقديم تنازلات حقيقية، فإن أذربيجان تحاول، من خلال مبادرة B2B، والتقاطع مع اتفاقيات ريو، والعمل مع مجموعة العشرين، أن تهيئ الأرضية السياسية لمؤتمر من شأنه أن يشكل نقطة تحول في مسار العمل المناخي العالمي.