فواصل

الإسلام السياسي في المغرب بين الدولة والمجتمع.. 3 جماعة العدل والإحسان

فواصل –

حسن اليوسفي المغاري –

تقديم

تناولت الحلقة الثانية نموذج الإدماج ممثلا في مسار حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، وانتهت إلى خلاصة حاسمة: الإدماج لم يكن طريقا باتجاهين، بل كان توظيفا استراتيجيا أفضى إلى إفراغ الحزب من رصيده الشعبي وهويته التمايزية.

تتناول هذه الحلقة الثالثة النموذج المقابل: جماعة العدل والإحسان، التي اختارت منذ نشأتها رفض المشاركة في المؤسسات السياسية الرسمية من الداخل، مؤثرة ممارسة السياسة من خارجها، فكان نصيبها الحصار الممنهج. غير أن هذا الحصار لم يُفضِ إلى إضعافها مجتمعيا كما كانت تأمل الدولة، بل أفرز مفارقة عميقة: الجماعة الأكثر حصارا سياسيا هي الأكثر حضورا في المجتمع.

الحلقة الثالثة: جماعة العدل والإحسان : الحصار ومساراته

 

أولا: الرفض المبدئي — لماذا قالت الجماعة لا؟

لا يمكن فهم موقف جماعة العدل والإحسان من المشاركة السياسية دون استحضار مرجعيتها الفكرية. فمنذ رسالة “الإسلام أو الطوفان” التي بعث بها الأستاذ عبد السلام ياسين إلى الملك الراحل الحسن الثاني عام 1974، أسّس ياسين لخطاب يقوم على معادلة واضحة: لا إصلاح حقيقي دون عدل، ولا عدل في ظل نظام لا تقوم فيه ديمقراطية حقيقية.

والجماعة لا ترفض السياسة في حد ذاتها، بل ترفض الانخراط في المؤسسات الرسمية القائمة. فهي فاعل سياسي حقيقي يعبّر عن نفسه عبر المواقف والبيانات السياسية، والحضور الفاعل في الفضاء العام، وإصدار وثائق سياسية شاملة كوثيقة 2023، والحراك المجتمعي والنقابي المتواصل. وبهذا المعنى فإن الجماعة لا تختلف عن غيرها في الموضوع السياسي، بل في المنهج الذي تنتهجه للتعامل معه.

وهذا الموقف لم يكن مجرد رفض سياسي تكتيكي، بل هو رفض مبدئي ينبع من قناعة راسخة بأن المشاركة في مؤسسات يرى فيها الجماعة قصورا بنيويا لن تُنتج إصلاحا حقيقيا، بل ستضفي شرعية على منظومة تحتاج إلى تغيير جذري لا ترقيع. وبهذا المعنى، فإن رفض الجماعة للمشاركة ليس عجزا أو عزوفا، بل هو خيار استراتيجي واع يرى في البناء المجتمعي من القاعدة طريقا أجدى من الانخراط في لعبة سياسية تحكم قواعدها جهة أخرى.

 

ثانيا: أشكال الحصار الممنهج

في مقابل هذا الموقف المبدئي للجماعة، لجأت الدولة إلى منظومة متكاملة من أشكال الحصار التي تكشف عن تناقض صارخ: فالجماعة المحاصَرة سياسيا حصلت على أحكام قضائية في درجاتها الثلاث — الابتدائية والاستئنافية والنقض — تُقرّ بقانونيتها. مما يعني أن الحصار الممارَس عليها ليس مسوغا قانونيا بل هو قرار سياسي بامتياز، وهو ما يجعله أشد دلالة على طبيعة العلاقة بين الدولة والجماعة.

وتتجلى أشكال هذا الحصار في الحرمان من الاعتراف الرسمي بوصفها جمعية أو حزبا، مما يُبقي كل نشاطها العام في وضع محرج يُعرّضها للملاحقة في أي وقت. وعلى المستوى المهني، تعرّض أعضاؤها لإعفاءات تعسفية من مناصبهم الوظيفية في ما يُشبه العقاب الجماعي على الانتماء. وعلى المستوى الشخصي، شهدت سنوات عديدة تشميع بيوت قيادات الجماعة وأعضائها، ولم يكن أبلغ دلالة في هذا السياق من تشميع بيت أمينها العام، وهو إجراء يحمل رسالة سياسية تتجاوز البُعد الأمني إلى محاولة الإذلال الرمزي.

غير أن هذا الحصار الممنهج لم يُفضِ إلى تفكيك الجماعة أو تراجع حضورها، بل يمكن القول إنه أسهم في تعزيز تماسكها الداخلي وصلابة هويتها، إذ لا شيء يُوحّد الجماعات ويُصلّب إرادتها كالشعور بالاضطهاد المشترك.

ثالثا: المفارقة الكبرى — الحصار السياسي والحضور المجتمعي

هنا تبرز المفارقة الأعمق في نموذج الجماعة المحاصَرة: فهي تحتفظ بحضور مجتمعي لافت في النقابات والجمعيات والفضاء العام رغم كل أشكال الحصار. وهذا الحضور لا تمنحه الدولة ولا تستطيع مصادرته بسهولة، لأنه لا يستمد شرعيته من قرار فوقي بل من ثقة شعبية مبنية على العمل الميداني المتراكم.

وقد فرض هذا الحضور المدني نفسه بقوة الوزن السياسي والمجتمعي للجماعة. فهي لم تنخرط في الجمعيات والنقابات بحثا عن بديل للعمل السياسي المقيّد، بل لأن مشروعها القائم على البناء المجتمعي من القاعدة يجعل من هذه الفضاءات ميادين طبيعية لعملها.

والمقارنة مع نموذج الإدماج هنا بالغة الدلالة: حزب العدالة والتنمية الذي قبل بقواعد اللعبة ودخل المؤسسات خرج منها مُنهكا ومُفرَّغا من رصيده الشعبي، في حين احتفظت جماعة العدل والإحسان المحاصَرة بثقلها المجتمعي بل ربما عزّزته. وهذه المعادلة المعكوسة هي جوهر جدلية الإدماج والحصار )التهميش( التي تسعى هذه الدراسة إلى تحليلها.

رابعا: الوثيقة السياسية 2023 — الجماعة تتكلم

في أكتوبر 2023 أصدرت الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان وثيقتها السياسية الشاملة، وقدّمتها للرأي العام المغربي ونخبه وقواه السياسية والمدنية في لقاء صحفي رسمي في فبراير 2024. وهي وثيقة تمتد على 196 صفحة موزعة على أربعة محاور كبرى: المنطلقات والأفق، والمحور السياسي تحت شعار “حرية وعدل وحكم المؤسسات”، والمحور الاقتصادي والاجتماعي تحت شعار “عدالة وتكافل وتنمية مستدامة”، والمحور المجتمعي تحت شعار “كرامة وتضامن وتربية متوازنة”.

ومن الناحية الشكلية، نشر الجماعة المحاصَرة سياسيا هذه الوثيقة التفصيلية هو في حد ذاته رد على منطق الحصار الكلي. فالجماعة تقول ضمنيا: نحن حاضرون فكريا وسياسيا بصرف النظر عن الاعتراف الرسمي.

وتكشف مضامين الوثيقة عن عمق الحضور الفكري والسياسي للجماعة في المشهد المغربي، إذ تناولت بالتفصيل والاقتراح جملة من القضايا الكبرى:

على المستوى السياسي، طالبت الوثيقة بقطيعة فعلية مع ما أسمته “السلطوية المدسترة”، ودعت إلى جمعية تأسيسية منتخبة لوضع دستور ديمقراطي حقيقي يكرس الفصل الحقيقي بين السلط ويضمن استقلالية القضاء، منتقدة بشكل صريح احتكار المبادرة الدستورية منذ دستور 1962.

على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، قدّمت الوثيقة رؤية شاملة تتناول السياسة الطاقية، وتثمين استغلال الفوسفاط، والنهوض بالقطاع الفلاحي لتحقيق الأمن الغذائي، والحد من الفوارق الاجتماعية عبر منظومة حماية اجتماعية فعلية.

على المستوى المجتمعي، أبدت الوثيقة موقفا صريحا من التطبيع، إذ أشارت إلى “تصاعد الغطرسة الصهيونية وتمددها في بلادنا على وجه الخصوص”، كما تناولت قضايا تدبير الحقل الديني والتعليم والإعلام والثقافة برؤية متكاملة.

وما يلفت الانتباه أن هذا الموقف من التطبيع لم يصدر عن الجماعة في شكل بيان سياسي عابر، بل جاء مدرجا في صلب وثيقتها السياسية الاستراتيجية بوصفه ثابتا مبدئيا لا يقبل المساومة. وهو ما يكشف الهوّة الفكرية الشاسعة بين نموذجين متقابلين: نموذج وقّع ممثله على اتفاقيات أبراهام أمام الملك ممتثلا لمنطق الدولة، ونموذج لا يزال يرفع القضية الفلسطينية ثابتا إسلاميا وأخلاقيا بصرف النظر عن كل الضغوط.

وهنا يطرح التحليل سؤالا افتراضيا لا يخلو من دلالة: ماذا كان سيكون موقف جماعة العدل والإحسان لو كانت في السلطة حين جاء قرار التطبيع؟ هل كانت ستُبدي المقاومة التي عجز عنها العدالة والتنمية؟ أم أن منطق الإدماج كفيل بترويض أي حركة مهما بلغت صلابتها المبدئية؟ السؤال يبقى افتراضيا بطبيعته، لكنه يكشف في جوهره أن الفارق الحقيقي بين النموذجين ليس في القيم فحسب، بل في طبيعة العلاقة مع الدولة التي تُحدد في نهاية المطاف هامش الاستقلالية المتاح.

وما تضيفه الوثيقة أيضا أنها تُخاطب صراحة “كل المواطنين والمهتمين والسياسيين والباحثين والنخب”، وهو ما يعكس إرادة الجماعة في تجاوز دائرتها الخاصة والانخراط في النقاش العام الأوسع، بما يفند أي ادعاء بأنها حركة منغلقة على ذاتها.

خاتمة الحلقة الثالثة — معادلة معكوسة

يكشف نموذج جماعة العدل والإحسان أن الحصار ليس بالضرورة طريقا إلى الضعف. فالجماعة التي رفضت الإدماج منذ البداية لم تدفع ثمن قراراتها من رصيدها الشعبي كما فعل حزب العدالة والتنمية، بل حافظت على تماسكها الداخلي ووضوح هويتها واستمرار حضورها المجتمعي.

غير أن هذا لا يعني أن الحصار لا ثمن له. فالجماعة تدفع ثمنا حقيقيا يتجلى في غياب الاعتراف الرسمي، والملاحقات الأمنية، والإعفاءات الوظيفية، وتشميع البيوت. وهو ثمن إنساني ومادي لا يمكن الاستهانة به.

لكن السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه المعادلة المعكوسة هو: في مشهد يتراجع فيه نموذج الإدماج وتتصاعد فيه الضغوط الدولية على الحركات الإسلامية، أين يتجه الإسلام السياسي في المغرب؟ هل نحن أمام نهايته أم أمام إعادة تشكّله؟ وهل يملك نموذج الجماعة المحاصَرة أن يُقدّم إجابة مختلفة عما قدّمه نموذج الإدماج؟

هذه الأسئلة هي ما ستُحاول الحلقة الرابعة والأخيرة الإجابة عنها.

نُشر على صفحات بيان اليوم بتاريخ 06-08 مارس 2026 – العدد 10453- الصفحة 10

 

    ضمن عدد قادم وتتناول: خلاصة تركيبية — أين يتجه الإسلام السياسي في المغرب؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى