الحسد والغيرة واللاأخلاقية والخُبث.. ملامح متكرّرة في المحفل الرياضي الإفريقي

فواصل –
في كرة القدم الإفريقية، لا تُلعَب المباريات دائما داخل المستطيل الأخضر فقط، بل تُدار – في كثير من الأحيان – خارج الملعب، حيث تتقاطع الحسابات، وتُستدعى أسوأ ما في النفس البشرية: الحسد حين يسطع نجم، الغيرة حين ينجح بلد، واللاأخلاقية حين يعجز البعض عن مجاراة التفوق إلا بالتشويش والتشكيك، ثم الخُبث حين يتحول الفشل إلى حملة منظمة.
ما يواجهه المنتخب المغربي، ومعه عدد من المنتخبات التي اختارت طريق الاستثمار الجاد والتخطيط البعيد، ليس جديدا. هو نمط مألوف في محفل كروي إفريقي لم يحسم بعد علاقته بقيم التنافس الشريف.
كلما اقترب فريق من القمة، كلما تكاثرت حوله الشبهات الملفّقة، وارتفعت نبرة الاتهام، وتحوّل التنظيم الجيد إلى “مؤامرة”، والنجاح إلى “استفزاز”.
الحسد هنا ليس شعورا عابرا، بل موقفا.. موقف من يرى في نجاح الآخر مرآة لفشله، فيختار الهروب إلى الأمام عبر التشكيك بدل المراجعة، وعبر الصراخ بدل العمل.. والغيرة ليست تنافسا مشروعا، بل رغبة دفينة في ألا ينجح أحد إن عجزنا نحن عن النجاح. أما اللاأخلاقية، فتظهر حين يصبح الكذب أداة، والاتهام المجاني وسيلة، والإساءة بديلا عن الاعتراف.
والأخطر من كل ذلك، هو الخُبث المقنّع بخطاب رياضي.. خُبث يُمارَس في التصريحات، في الضغط النفسي، في محاولة تسميم الأجواء، وفي استدعاء روايات مختلَقة عن الأمن والتنظيم والتحكيم، رغم أن الوقائع تكذّبها، والتجارب السابقة تفضح ازدواجية المعايير لدى من يشتكون اليوم مما صمتوا عنه بالأمس.
ومع ذلك، يبقى الفارق واضحا. هناك من يخسر مباراة فيبحث عن شمّاعات، وهناك من يخسر كرويا ويخرج مرفوع الرأس. هناك من ينهزم أخلاقيا قبل صافرة النهاية، وهناك من يحافظ على قيمه حتى وهو يودّع اللقب. التاريخ لا يتذكر الصراخ، بل يتذكر من احترم اللعبة، واحترم الجمهور، واحترم نفسه.

وإلى جانب كل ذلك، يبرز كرمنا الحاتمي كعنصر فاضح لكل هذا الخُبث المقابل. كرم ليس مجرد تفاصيل بروتوكولية أو واجهة تنظيمية، بل ثقافة راسخة وسلوك يومي عاشه الجميع: منتخبات، جماهير، إعلاميون، وضيوف من مختلف الجنسيات. فُتحت الأبواب، قُدّمت أفضل الظروف، سُهّلت الإقامات والتنقلات، وضُمنت كرامة الضيف قبل راحته، في وقت كان فيه بعض هؤلاء الضيوف أنفسهم يطلقون اتهامات مجانية، أو ينسجون روايات مسيئة، وهم يأكلون من خبز الضيافة المغربية ويستمتعون.. هنا تحديدا يتضح التناقض الفجّ: كرم يُقابل بالجحود، وحسن نية يُقابل بسوء قصد، وأخلاق عالية تُواجَه بلا أخلاق خطابية. لكن حتى في هذا، يبقى الكرم المغربي موقفا سياديا وأخلاقيا، لا ينتظر شكرا ولا اعترافا، لأنه جزء من هوية لا تتغير بتغيّر نتائج المباريات ولا بسقوط الأقنعة.
المغرب، في هذه التجربة، لم يخسر سوى مباراة. لكنه ربح ما هو أهم: أوّلا صورته أمام العالم الرياضي، منتخب تنافسي، تنظيم يشهد له الخصوم قبل الأصدقاء، وأخلاق رياضية تفضح، بصمتها، كل حملات الحسد والغيرة والخُبث. وفي محفل كروي إفريقي لا يزال أسير هذه السلوكيات، يظل الرهان الحقيقي هو أن تنتصر القيم، ولو بعد حين.
ودائما، في النهاية،
الأخلاق لا تُهزم؛ حتى حين تُخسر الكؤوس.