المغرب يشيخ في ظل اختيارات عمومية مرتبكة: ديمغرافيا تتقدّم وسياسات تتأخّر

فواصل –
المغرب يشيخ في ظل اختيارات عمومية مرتبكة: ديمغرافيا تتقدّم وسياسات تتأخّر
موضوع نشر على صفحات جريدة “بيان اليوم” الجمعة – الأحد 16-18 يناير 2026 – العدد: 10418
لم تعد شيخوخة السكان في المغرب احتمالا ديمغرافيا مؤجَّلا، بل تحوّلت إلى واقع بنيوي يتسارع بأرقام رسمية مقلقة، في وقت ما تزال فيه السياسات العمومية حبيسة المقاربات الظرفية والتدبير التقني الضيق. فبين انتقال ديمغرافي متقدّم، ونمو اقتصادي هش، وحماية اجتماعية غير مكتملة، يواجه المغرب مفارقة حقيقية: مجتمع يشيخ بسرعة، ودولة لم تُنجز بعد شروط العدالة الاجتماعية التي تجعل هذا التحوّل قابلا للتدبير لا للانفجار.
انتقال ديمغرافي خارج منطق التخطيط الاستراتيجي
حين تسبق الوقائعُ القرارَ العمومي
يشهد المغرب، منذ مطلع الألفية الثالثة، تحوّلا ديمغرافيا عميقا، انتقل فيه من مجتمع فتيّ إلى مجتمع يتّجه بثبات نحو الشيخوخة. غير أن هذا الانتقال لم يُواكَب، كما كان يُفترض، بإصلاحات بنيوية متكاملة، بل جرى التعامل معه باعتباره معطى تقنيًا تُدبّره الإحصائيات، لا تحوّلا مجتمعيا يستوجب إعادة بناء السياسات العمومية.
فوفق المعطيات الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، تجاوز عدد الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق خمسة ملايين شخص سنة 2024، أي حوالي 14% من مجموع السكان. وهي نسبة مرشحة للارتفاع السريع، في ظل تراجع الخصوبة وارتفاع متوسط العمر المتوقع.
هذا التحوّل لا يمكن عزله عن سياق اقتصادي يتّسم بضعف النمو، واتساع الفوارق الاجتماعية، وهيمنة الشغل غير المهيكل، ما يجعل الشيخوخة في المغرب شيخوخة في الهشاشة، لا ثمرة لمسار تنموي متكامل.
أرقام رسمية وخلل بنيوي صامت
خلال عشر سنوات فقط، ارتفع عدد المسنين بنسبة تقارب 59%، في حين لم يتجاوز معدل النمو السكاني الإجمالي 0,8% سنويا. هذا الفارق الكبير لا يعكس نجاحا صحيا بقدر ما يكشف تآكل القاعدة الديمغرافية النشيطة، وغياب رؤية استباقية لاستثمار ما تبقّى من “العائد الديمغرافي”.
تؤكد تقارير البنك الدولي و صندوق الأمم المتحدة للسكان أن المغرب يوجد ضمن الدول التي تشيخ قبل أن تستكمل انتقالها الاقتصادي والاجتماعي، أي قبل تعميم التغطية الاجتماعية الفعلية، وضمان تقاعد كريم، ونظام صحي عمومي قادر على الاستجابة للطلب المتزايد.
أفق 2050.. دولة شابة بمؤسسات هرِمة؟
تشير الإسقاطات السكانية الرسمية، المُحيّنة إلى غاية 2025، إلى أن عدد المسنين قد يناهز 10 ملايين شخص بحلول سنة 2050، أي ما يقارب ربع سكان المغرب. هذا التحوّل الجذري ستكون له كلفة اقتصادية واجتماعية باهظة، إذا استمر التعاطي معه بالمنطق نفسه السائد اليوم.
المفارقة أن الدولة المغربية تناقش إصلاح أنظمة التقاعد بمنطق محاسباتي صرف، في حين أن المعطى الديمغرافي يفرض نقاشا سياسيا واجتماعيا بامتياز، حول توزيع الثروة، والعدالة بين الأجيال، ودور الدولة في ضمان الكرامة في سنّ متقدمة.
مؤشر الشيخوخة وضغط الإعالة
حين تتآكل قاعدة التضامن
بلغ مؤشر الشيخوخة حوالي 52 مسنّا لكل 100 طفل دون 15 سنة، بعد أن كان في حدود 26 قبل عقدين فقط. كما ارتفع معدل الإعالة المرتبط بالمسنين إلى حوالي 23%، ما يضع ضغطا متزايدا على الفئة النشيطة اقتصاديا.
غير أن الإشكال لا يكمن فقط في الأرقام، بل في ضعف سياسات التشغيل، وارتفاع البطالة، وتدني الأجور، وهو ما يجعل الحديث عن “التضامن بين الأجيال” خطابا أخلاقيا بلا سند مادي. فحين يُفرغ الشغل من استقراره، وتُهشَّم الأجور، يصبح كل حديث عن تمويل الشيخوخة نوعا من ترحيل الأزمة لا حلّها.
فوارق مجالية تكشف مغربا متعدّد السرعات وغياب العدالة الترابية
تكشف معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن الشيخوخة الديمغرافية لا تتقدم بالوتيرة نفسها عبر مختلف جهات المملكة، بل ترسم خريطة اجتماعية غير متكافئة لمغرب واحد يعيش إيقاعات ديمغرافية متباينة. ففي جهات مثل الشرق وبني ملال–خنيفرة، كما في أجزاء واسعة من الريف والأطلس المتوسط، تسجَّل نسب شيخوخة تفوق المتوسط الوطني، في مقابل بنية عمرية أكثر فتوة نسبيا في الأقاليم الجنوبية وبعض الأقطاب الحضرية الكبرى.
هذا التفاوت لا يُفسَّر فقط بعوامل ديمغرافية طبيعية، بل يعكس أساسا اختلالات تنموية عميقة راكمتها عقود من السياسات العمومية غير المتوازنة، حيث أدت محدودية فرص الشغل وضعف الاستثمار العمومي في الجهات الهامشية إلى نزيف بشري متواصل نحو المدن، تاركة وراءها مجتمعات محلية هرِمة، بموارد اقتصادية محدودة وخدمات اجتماعية هشة.
في المقابل، فإن تمركز الشباب في المدن الكبرى لا يعني غياب إشكالية الشيخوخة عنها، بل يخلق نمطا جديدا من الضغط الاجتماعي. فالهجرة القروية تُسهم في تسريع شيخوخة المجال القروي، وفي الوقت نفسه تُراكم أعباء إضافية على المدن، التي تجد نفسها مطالَبة بتوفير خدمات صحية واجتماعية متزايدة لفئات عمرية متقدمة، دون أن تواكب ذلك استثمارات عمومية كافية في البنيات التحتية والرعاية طويلة الأمد.
بهذا المعنى، لا نكون أمام شيخوخة واحدة، بل أمام شيخوخات متعددة داخل مغرب واحد: شيخوخة قروية مرتبطة بالتهميش والعزلة، وشيخوخة حضرية مرتبطة بضغط الخدمات وتراجع دور الدولة الاجتماعية. وهو ما يفضح غياب عدالة ترابية حقيقية، ويحوّل الجغرافيا إلى عامل مضاعِف للهشاشة بدل أن تكون رافعة للإنصاف والتنمية المتوازنة.
تأنّث الشيخوخة: حين يتقاطع العمر مع اللامساواة البنيوية
لا يمكن مقاربة ظاهرة “تأنّث الشيخوخة” في المغرب بمعزل عن المسار الاجتماعي والاقتصادي الذي وسم حياة النساء عبر عقود. فارتفاع نسبة النساء داخل فئة المسنين، التي تفوق 51%، لا يعكس فقط تفوّقا بيولوجيا في متوسط العمر، بل يُجسّد في العمق تراكما تاريخيا للتمييز الاجتماعي.
فأجيال واسعة من النساء ولجن الحياة دون تعليم، ودون عمل مأجور قار، ودون أي إدماج في أنظمة الحماية الاجتماعية. عملن داخل الأسرة، وفي الاقتصاد غير المهيكل، وفي الهامش، دون اعتراف قانوني أو اجتماعي. وحين يصلن إلى سنّ الشيخوخة، يجدن أنفسهن خارج أي معاش تقاعدي، ومعتمدات على الأسرة أو الإحسان.
تشير معطيات رسمية إلى أن نسب الأمية في صفوف النساء المسنات تفوق بكثير نظيرتها لدى الرجال، كما أن الغالبية الساحقة منهن لا يستفدن من أي تغطية تقاعدية. بذلك تتحول الشيخوخة النسائية إلى هشاشة مضاعفة: هشاشة العمر، وهشاشة النوع الاجتماعي.
الأخطر أن السياسات العمومية، رغم خطاب المساواة، ما تزال تتجاهل العمل غير المرئي للنساء، ولا تعترف به كرصيد اجتماعي مستحق للحماية. وبهذا المعنى، يتحوّل طول العمر من مكسب صحي إلى عقوبة اجتماعية مؤجلة، تُدفع كلفتها في نهاية الحياة، حيث تقلّ القدرة على المقاومة ويغيب الصوت.
مشاركة اقتصادية محدودة وشيخوخة خارج دورة الإنتاج
لا تتجاوز نسبة مشاركة المسنين في سوق الشغل 16%، وغالبا في أنشطة هشة وغير مهيكلة. ويعكس ذلك المسارات المهنية غير المستقرة لأغلب هذه الفئة، خصوصا في القرى والقطاعات غير المصرّح بها.
في ظل محدودية التغطية التقاعدية، يُعاد تحميل الأسرة عبء الإعالة، في وقت تعرف فيه الأسرة المغربية نفسها تفككًا تدريجيا، بفعل التحولات الحضرية، وارتفاع كلفة العيش، وتراجع الروابط التضامنية التقليدية.

صحة المسنين: منظومة تحت ضغط مزمن
تشير المعطيات الرسمية إلى أن حوالي 19% من المسنين يعانون من إعاقة، إضافة إلى الانتشار الواسع للأمراض المزمنة. ورغم تعميم نسبي للتغطية الصحية لتبلغ حوالي 69%، فإن واقع الولوج إلى العلاج يكشف فوارق صارخة بين المدن والقرى، وبين من يملكون القدرة على الأداء ومن لا يملكونها.
المنظومة الصحية العمومية، التي تعاني أصلا من نقص الموارد البشرية والتجهيزات، تجد نفسها أمام طلب متزايد على الرعاية طويلة الأمد، دون استراتيجية واضحة أو تمويل مستدام، ما يفتح الباب أمام خصخصة زاحفة للرعاية.
شيخوخة تُدار بمنطق التقشف لا بمنطق الحقوق
تكشف شيخوخة المجتمع المغربي، في عمقها، حدود الاختيارات العمومية المعتمدة منذ عقود. فالدولة لم تتعامل مع هذا التحوّل باعتباره مسألة عدالة اجتماعية، بل اختزلته في أرقام، وإصلاحات تقنية، وتوازنات مالية.
تم توسيع الحماية الاجتماعية في الخطاب، لكن دون ضمان فعلي لجودة الخدمات. جرى إصلاح التقاعد بمنطق المحاسبة والتقشف، لا بمنطق الكرامة والحقوق. واستمر إضعاف الاستثمار في الصحة العمومية، مقابل تشجيع حلول فردية وسوقية تُقصي الفئات الهشة.
في هذا السياق، تتحول الشيخوخة من حق في عمر كريم إلى عبء اجتماعي تتحمله الأسر، خصوصا الطبقات الشعبية والوسطى التي تعيش أصلا تحت ضغط الغلاء والهشاشة. وتُعاد إنتاج اللامساواة بين من يشيخون في الحماية، ومن يشيخون في الهامش.
إن المغرب اليوم في حاجة إلى سياسة وطنية جريئة للشيخوخة، قائمة على:
- مقاربة حقوقية لا إحسانية
- عدالة اجتماعية وترابية
- الاعتراف بالعمل غير المأجور، خاصة عمل النساء
- إعادة الاعتبار لدور الدولة الاجتماعية
من دون ذلك، لن تكون الشيخوخة مجرد تحوّل ديمغرافي، بل شهادة إدانة سياسية لاختيارات عمومية أخفقت في حماية الإنسان حين بلغ أكثر مراحل حياته هشاشة.
خاتمة لا بدّ منها: الشيخوخة امتحان الدولة الاجتماعية
ليست شيخوخة المجتمع المغربي قدرا ديمغرافيا أعمى، بل نتيجة مباشرة لاختيارات سياسية واقتصادية راكمت الهشاشة وأجّلت العدالة الاجتماعية. فالأرقام اليوم لا تُنذر فقط بتقدّم السكان في السن، بل تكشف حدود نموذج تنموي لم يضع الإنسان، في مختلف مراحل حياته، في صلب القرار العمومي.
إن دولة لا تستعد لشيخوخة مواطنيها، إنما تعترف ضمنيا بفشلها في ضمان الكرامة حين يبلغ الإنسان أكثر مراحل حياته هشاشة. ومن ثمّ، فإن الشيخوخة ليست ملفا تقنيا يُدبَّر بالإحصاءات، بل اختبار سياسي وأخلاقي لصدق الالتزام بالدولة الاجتماعية. إما أن يتحوّل هذا التحوّل الديمغرافي إلى فرصة لإعادة بناء التضامن والعدالة، أو أن يصبح مرآة قاسية لانهيار المعنى الاجتماعي للسياسات العمومية. وفي هذا المفترق، لا ينقص المغرب الوقت فقط، بل ينقصه القرار.