فلسطين

غزة.. حين تتآمر الحرب والطبيعة والصمت العربي على الحياة

فواصل –  فلسطين

غزة.. حين تتآمر الحرب والطبيعة والصمت العربي على الحياة

حسن اليوسفي المغاري _ 

 

غزة لا تصرخ عبثا، ولا تنادي فراغا. غزة تنادينا لأن الوجع بلغ حدّه، ولأن الصمت صار شريكا في الجريمة.

هناك، لا تُقاس الأيام بالتواريخ، بل بعدد الشهداء، بعدد البيوت التي صارت ركاما، وبعدد القلوب التي أُنهكت من الانتظار.

الطفل في غزة يكبر قبل أوانه، يتعلّم الخوف قبل الحروف، ويعرف أسماء الطائرات أكثر مما يعرف ألعاب الطفولة.

الأم تحفظ وجوه أبنائها عن ظهر قلب، لا حُبّا فقط، بل خوفا من أن تودّعهم بلا وداع.

غزة تحاسبنا لأننا رأينا ولم نتحرك، سمعنا ولم نصرخ، اكتفينا ببيانات باردة بينما كانت الدماء ساخنة على الأرض. تحاسبنا لأن عواصمنا ازدانت بالأضواء، فيما سماء غزة كانت تشتعل بالنار. لأننا احتفلنا بالحياة، وتركناها تواجه الموت وحدها.

ولم تكتفِ الحرب بما فعلت، فجاء الطقس ليكمل الحصار.

مطرٌ يتسرّب إلى خيام مهترئة، وبردٌ ينهش أجساد الأطفال، ورياح تقتلع ما تبقّى من ستر النازحين. لا جدران تحمي، ولا دفء يُحتضن، ولا ليل يمرّ بلا ارتجاف. وحتى الشمس حين تشرق، تأتي قاسية، خانقة، تزيد التعب وتفتح أبواب المرض على أجساد أنهكها الجوع والخوف.

غزة اليوم واجهت وتُواجه على جبهات متعددة:

قصف لا يهدأ، حصار يخنق، جوع يفتك، وطقس متقلّب يزيد الألم ألمًا. ومع ذلك، لم تنكسر.

من بين الركام يولد الصمود، ومن بين الدموع تُكتب الكرامة، ومن تحت الخيام تُرفع رؤوس تعرف أن الحق لا يُهزم.

غزة مرآتنا الثقيلة.. من ينظر إليها بصدق، يرى حجم التقصير، ويرى أن القضية لم تكن بعيدة يومًا، نحن فقط من ابتعدنا.

وغزة، رغم الجراح، ما زالت تنادينا.

لا لتسمع كلماتنا، بل لتختبر إن كان في هذه الأمة ما يستحق أن يُسمّى ضميرا.

رحم الله الشهداء وجعل مثواهم الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى