قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة: تنظيم ذاتي أم وصاية؟
قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة: تنظيم ذاتي أم وصاية سياسية جديدة؟
ملاحظات على هامش برنامج “مباشرة معكم” تحت عنوان: “جدل مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة” الذي بثته القناة الثانية 2M بتاريخ الأربعاء 10 دجنبر 2025
يثير مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة جدلا متصاعدا داخل الأوساط الإعلامية والمهنية، وسط اتهامات بتفريغ مفهوم التنظيم الذاتي من مضمونه، وتحويله إلى أداة ضبط سياسي تمس استقلالية الصحافة ودورها الرقابي.
جدل يتجاوز التقنية التشريعية
لم يعد النقاش الدائر حول مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة نقاشا تقنيا أو إجرائيا. فقد تحوّل إلى مواجهة مفتوحة بين تصورين متناقضين: تصور رسمي يعتبر النص إصلاحا ضروريا، وتصور مهني يرى فيه تكريسا لوصاية جديدة على قطاع يفترض أنه مستقل.
التنظيم الذاتي بين الخطاب والممارسة
تُقدّم الحكومة مشروع القانون على أنه تكريس للتنظيم الذاتي. غير أن عددا من المهنيين يؤكدون أن صياغة النص تمت خارج الجسم الصحافي، دون إشراك فعلي للفاعلين الأساسيين.
فبدل أن ينبع التنظيم من داخل المهنة، فُرض من أعلى، ما أفقد المفهوم جوهره، وحوّل “الذات المهنية” إلى طرف منفّذ لا شريك في القرار.
قانون في سياق أزمة خانقة
يمرّ المشروع في وقت تعرف فيه الصحافة المغربية أزمة متعددة الأبعاد، تشمل هشاشة اقتصادية، وتراجع الثقة، وضغطا متزايدا على حرية التعبير.
ورغم هذا السياق، اختارت وزارة الاتصال تمرير النص بسرعة، دون فتح نقاش وطني واسع حول بدائل الإصلاح، أو حول سبل حماية استقلالية التنظيم المهني.
نقاش عمومي محدود الأثر
رافقت المشروع لقاءات ونقاشات وُصفت بالشكلية. فقد طُرحت أسئلة جوهرية، لكن دون ترجمتها إلى مواقف واضحة أو تعديلات جوهرية.
كما لاحظ متتبعون تكرار الخطاب الرسمي نفسه، مقابل غياب تحكيم مهني مستقل قادر على تقييم النص بموضوعية.

مجلس وطني بسلطات منقوصة
يُسجّل مهنيون أن المشروع لا يمنح المجلس الوطني للصحافة أدوات حقيقية للدفاع عن المهنة. بل يفتح المجال أمام تدخلات مباشرة وغير مباشرة، تُضعف استقلالية القرار، وتحوّل المجلس إلى جهاز إداري أكثر منه هيئة تنظيم ذاتي.
البرلمان ودور المصادقة
مرّ المشروع داخل المؤسسة التشريعية بوتيرة سريعة، دون نقاش معمق يعكس حجم الرهانات المرتبطة بحرية الصحافة.
ويرى منتقدون أن هذا المسار ساهم في تكريس صورة البرلمان كفضاء للمصادقة، لا كسلطة تشريعية تمارس الرقابة والتعديل.
سؤال الاستقلالية في صلب الأزمة
يبقى السؤال المركزي مطروحا بإلحاح:
كيف يمكن الحديث عن تنظيم ذاتي حقيقي، في ظل غياب ضمانات واضحة لاستقلالية الصحافة؟
هذا السؤال لا يهم الصحافيين وحدهم، بل يهم المجتمع ككل، باعتبار الإعلام ركيزة أساسية لأي ممارسة ديمقراطية.
خاتمة جامعة
لا يعارض الصحافيون مبدأ التنظيم، بل يطالبون بتنظيم يحمي استقلاليتهم، لا يقيدها. فالمعركة اليوم لا تتعلق بقانون واحد، بل بمسار تشريعي قد يعيد تعريف علاقة السلطة بالصحافة، إما كشريك نقدي، أو كقطاع خاضع للضبط.