من مقاعد الحكومة إلى منصة التباكي: نزار بركة والتنصل من فشل السلطة

فواصل –
في مشهد سياسي بات مألوفا لدى الرأي العام، يطلّ نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، بصفته “الناقد الغيور” على السياسات العمومية، متقمصا دور المراقب الخارجي، وكأنّه لم يكن يوما جزءا من منظومة القرار ولا شريكا في صياغة الخيارات التي أثقلت كاهل المغاربة. هذا التحول الخطابي لا يعبّر عن مراجعة سياسية شجاعة، بقدر ما يكشف استخفافا صريحا بوعي المواطنين وذاكرتهم القريبة.
شريك في القرار لا شاهدًا عليه
الوقائع واضحة ولا تقبل التأويل. نزار بركة ليس معارضا من الهامش، بل فاعل حكومي كامل الصلاحيات، حاضر في المجلس الحكومي، مشارك في النقاش، وموقّع على القرارات. وهو، تبعا لذلك، مسؤول سياسيا وأخلاقيا عن السياسات التي مست القدرة الشرائية، وعمّقت الهشاشة الاجتماعية، وأضعفت ثقة المواطنين في العمل العمومي. إن محاولة التنصل من هذه المسؤولية عبر خطاب نقدي انتقائي لا تغيّر من حقيقة الشراكة ولا تمحو آثارها.
التناقض والاستخفاف بالوعي العام
الأخطر من التناقض ذاته هو الاستخفاف بذكاء المواطنين. لا يمكن لفاعل سياسي أن يكون “حكومة” حين تُقسَّم المناصب وتُدار السلطة، و“معارضة” حين تتراكم الأزمات وتشتد الضغوط الاجتماعية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. هذا التلاعب بالأدوار يفرغ السياسة من معناها، ويحوّلها إلى مسرح خطابي لا صلة له بالمساءلة ولا بتحمل التبعات.

مراوغة لغوية بدل محاسبة حقيقية
لا يستقيم أن تُوقَّع قرارات تمس كرامة المواطن وحريته وقدرته الشرائية، ثم يُعاد الظهور لاحقًا في صورة المدافع عن المتضررين. ما يحدث ليس اجتهادا سياسيا ولا “تصحيح مسار”، بل مراوغة مكشوفة تُغلف بلغة شعبوية من قبيل “ها تشيطين ها تشيطين”، تُخاطب العاطفة وتتفادى جوهر المسؤولية.
إعادة تدوير خطاب بلا جرأة
ما نشهده اليوم هو محاولة لإعادة تدوير خطاب قديم بلغة جديدة، دون الجرأة على الاعتراف بالفشل أو تقديم حصيلة مسؤولة. غير أن الحقيقة البسيطة التي بات يدركها المغاربة جيدًا هي أن زمن “التقية السياسية” قد ولّى. لم يعد ممكنا تسويق الوهم في قوارير بلاغية منمّقة، ولا إخفاء التناقضات خلف عناوين فضفاضة.
السياسة بين الخطاب والمساءلة
المغاربة لا يطالبون بخطابات تُجيّش المشاعر، بل بمحاسبة واضحة. لا ينتظرون دموعا متأخرة، بل سياسات منسجمة ومسؤولين يتحملون نتائج اختياراتهم. أما اللعب على الحبال وتبديل الأقنعة، فقد سقط قناعه، وأضحى أحد وجوه أزمة الثقة العميقة التي تعيشها السياسة في المغرب اليوم..