فواصل

الأقصى المُغلق: حين يتحول العيد إلى صمت ثقيل

فواصل –

حسن اليوسفي المغاري –

 

ليست السلاسل التي تظهر في الصورة على بوابات المسجد الأقصى في القدس سوى تجسيد رمزي لمشهد أشد قسوة:

إغلاق فعلي وشامل في وجه المصلين، امتد من الجمعة اليتيمة إلى أيام رمضان، وانتهى بمنع صلاة العيد.

ذلك القفل ليس واقعة مادية موثقة بقدر ما هو اختزال بصري لحقيقة ميدانية:

مسجد فارغ، باحات صامتة، ومُصلّون منعوا من الوصول إلى مكان عبادتهم في أكثر لحظات الشهر قداسة.

في الزمن الطبيعي، كان الأقصى يتحول في العشر الأواخر إلى فضاء حي، تتعالى فيه التراويح، وتمتد فيه صفوف الاعتكاف حتى الفجر.

وفي الجمعة اليتيمة، كانت الجموع تتدفق بالآلاف، وفي صباح العيد، كانت تكبيرات الفطر تملأ المكان.

أما اليوم، فالصورة مختلفة إلى حد الصدمة:

انقطاع في الإيقاع الروحي للأقصى كأن الزمن توقّف داخله.

هذا الواقع لم يأت من فراغ.

فالإجراءات التي فرضها الجيش الإسرائيلي، بدعم سياسي واستراتيجي من الولايات المتحدة الأمريكية، أدّت عمليا إلى إغلاق المسجد أو تفريغه من مُصلّيه، عبر منع الوصول، وتشديد القيود، وتحويل القدس إلى فضاء مُقيّد الحركة.

إن منع صلاة العيد، بعد التضييق في الجمعة اليتيمة وأيام رمضان، ليس حدثا منفصلا، بل سلسلة مترابطة من الإجراءات التي تصب في اتجاه واحد:

فرض واقع يعيد تعريف من يملك حق الوصول إلى المكان.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا خارج أسوار القدس:

كيف يُختزل هذا المشهد في “قلق” دبلوماسي وبيانات لا تتجاوز اللغة البروتوكولية؟

إن الصمت الرسمي في العالم العربي والإسلامي لم يعد مجرد تقصير، بل أصبح عنصرا بنيويا في استمرار هذا الواقع.

فحين تغيب الكلفة السياسية، تتسع مساحة الفعل على الأرض.

الأقصى اليوم ليس فقط تحت وطأة الإغلاق، بل تحت اختبار قاس لميزان القوة والضمير معا.

وإذا كان القفل في الصورة مُجرّد رمز، فإن الحقيقة أشد وقعا:

الأقصى لم يُغلق بسلسلة من حديد، بل بسلسلة من قرارات وصمت دولي ممتد، وبسلسلة ذُل وهوان من تآمر ولايزال على القضية.

إن القدس لم تكن يوما مجرد مدينة،

والأقصى لم يكن يوما مجرد مسجد.

إنهما اختبار دائم لضمير الأمة، اختبار يبدو أننا نخسره مرة بعد مرة.

الأقصى اليوم ليس مجرد خبر عابر، بل قضية وضمير وتاريخ لم ينته بعد ولن ينتهي.

#حسن_اليوسفي_المغاري

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى