فواصل

الإسلام السياسي في المغرب بين الدولة والمجتمع.. جدلية الإدماج والتهميش 4 خلاصة تركيبية

فواصل –

حسن اليوسفي المغاري –

 

تقديم

رافقنا عبر الحلقات الثلاث الماضية خيطان متوازيان ومتقاطعان: خيط الإدماج ممثلا في مسار حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، وخيط الحصار ممثلا في تجربة جماعة العدل والإحسان. وقد كشف كلا الخيطين عن وجهين لعملة واحدة: إستراتيجية الدولة في إدارة الحقل الإسلامي السياسي، سواء بالاحتواء أو بالحصار.

تسعى هذه الحلقة الرابعة والأخيرة إلى جمع هذه الخيوط في خلاصة تركيبية تجيب عن السؤال الذي افتتحنا به الدراسة: أين يتجه الإسلام السياسي في المغرب؟ هل نحن أمام نهايته أم أمام إعادة تشكله؟ وما الذي يكشفه النموذج المغربي للمشهد العربي والإسلامي الأوسع؟

 

الحلقة الرابعة والأخيرة: خلاصة تركيبية

أين يتجه الإسلام السياسي في المغرب؟

 

أولا — المعادلة المعكوسة: خلاصة الجدلية

إن أولى خلاصات هذه الدراسة هي ما أسميناه “المعادلة المعكوسة”: من قبل الإدماج فقد وزنه الشعبي، ومن رفضه حافظ على ثقله المجتمعي. وهي معادلة تتحدى المنطق السياسي المتعارف عليه الذي يرى في المشاركة المؤسسية طريقا للتأثير والنفوذ.

فحزب العدالة والتنمية الذي اختار الإدماج دفع ثمنه مضاعفا: خسر هويته التمايزية أمام قواعده الشعبية، وأدّى وظائف الدولة الصعبة بدلا عنها، ووقّع ممثله على اتفاقيات أبراهام في لحظة كاشفة أبانت أن الإدماج الكامل يعني في نهاية المطاف الذوبان في منطق الدولة. وجاءت هزيمة 2021 الانتخابية الكاسحة لتسجل هذه الخلاصة في صناديق الاقتراع.

في المقابل، احتفظت جماعة العدل والإحسان المحاصَرة بتماسكها الداخلي وحضورها المجتمعي ووضوح هويتها، ودفعت ثمن هذا الاختيار على المستوى الإنساني والمادي، لكنها لم تدفعه من رصيدها الشعبي. وهذا التباين بين النموذجين هو جوهر الجدلية التي حاولنا تشريحها.

غير أن المعادلة المعكوسة لا تعني أن نموذج الحصار انتصر على نموذج الإدماج، بل تعني أن كليهما يحمل ثمنه الخاص، وأن الدولة في الحالتين لم تخسر شيئا يُذكر، بل وظفت كلا النموذجين في خدمة إستراتيجيتها.

  

ثانيا — الدولة الرابحة دائما: التوظيف الاستراتيجي للجدلية

إن الخلاصة الأعمق التي تقدمها هذه الدراسة هي أن الدولة المغربية كانت الرابح الأكبر في جدلية الإدماج والحصار معا.

مع نموذج الإدماج، أوكلت الدولة إلى حزب العدالة والتنمية مهمة تمرير القرارات الاجتماعية الصعبة، ووفرت لنفسها واجهة ذات مصداقية إسلامية في مواجهة ضغوط الربيع العربي، ثم استعملته لتوقيع اتفاقيات التطبيع بيد إسلامية تخفف من وطأة الصدمة الشعبية. وحين استنفد الحزب وظائفه أُفرغ من رصيده وخرج من المشهد.

ومع نموذج الحصار، لجأت الدولة إلى معادلة مزدوجة: فمن جهة مارست على الجماعة تضييقا ممنهجا طال أعضاءها في وظائفهم وبيوتهم وحرياتهم، ومن جهة أخرى أبقتها في الوجود دون أن تمنحها الاعتراف الرسمي. وفي هذا التوازن الحسابي الدقيق رسالة واضحة: الجماعة المحاصَرة لن تشكل منافسا حقيقيا على الشرعية طالما بقيت خارج المؤسسات، والإقصاء الكلي لها قد يمنحها بعدا رمزيا أخطر مما تمثله وهي حاضرة ومحاصَرة في آن واحد.

وهذا ما يجعل سؤال “من يُدمج من؟” يُجاب عنه بوضوح: الدولة هي من تُدمج وتُحاصر وتُوظّف، والحركات الإسلامية بنموذجَيها تدفع الثمن في كلتا الحالتين.

 

ثالثا — شروط الجماعة للمشاركة: رفض مشروط أم موقف ثابت؟

سؤال يطرحه المشهد بإلحاح: هل ستُغيّر جماعة العدل والإحسان موقفها وتقبل المشاركة من الداخل في يوم ما؟

قراءة الوثيقة السياسية تُجيب بطريقة غير مباشرة: الجماعة لا تُغلق الباب بشكل مطلق، لكنها تضع شروطا مسبقة تجعل هذه المشاركة مشروطة بتغيير جذري في بنية النظام السياسي ذاته. فهي تطالب بدستور ديمقراطي حقيقي منبثق عن جمعية تأسيسية منتخبة لا عن مبادرة انفرادية، وبفصل حقيقي للسّلط واستقلالية فعلية للقضاء، وبانتخابات حرة ونزيهة تفضي إلى تداول حقيقي على السلطة، وبرفع الحصار عنها والاعتراف الرسمي بها فاعلا سياسيا شرعيا.

وهذه الشروط في مجملها ليست مطالب إصلاحية جزئية، بل هي في جوهرها مطالب بتغيير طبيعة النظام. مما يعني أن موقف الجماعة ليس رفضا أبديا مطلقا، بل هو رفض مشروط بشروط لا تتوفر في ظل المعطيات الراهنة.

وهنا يطرح التحليل سؤالا مفتوحا: من يتغير أولا؟ هل ستتغير الدولة فتتوفر شروط الجماعة؟ أم ستتغير الجماعة وتقبل بشروط أدنى مما تطالب به تحت وطأة الحصار والضغوط؟ أم أن الجمود سيستمر في ظل المعطيات الإقليمية والدولية الراهنة؟ هذه أسئلة يصعب الإجابة عنها بيقين، لكن منطق التاريخ يُعلّمنا أن الجمود لا يدوم، وأن كل طرف يراكم تحولاته الداخلية حتى في أعمق لحظات الانسداد.

 

رابعا — السياق الدولي: عندما يُقرّر الخارج الداخل

لا يمكن فهم مآلات الإسلام السياسي في المغرب دون استحضار السياق الدولي والإقليمي الذي يشكل ضغطا حقيقيا على القرار الوطني. فمنذ سقوط تجربة الإسلام السياسي في مصر عام 2013، انطلقت موجة إقليمية واسعة تقودها الإمارات والسعودية لمحاربة الحركات الإسلامية وتصنيفها تهديدا أمنيا، بل ذهبت الإمارات إلى تصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا ونشرت هذا التصنيف في كل منابرها الدبلوماسية والإعلامية.

وفي هذا السياق تندرج اتفاقيات أبراهام بوصفها ليس مجرد تطبيع دبلوماسي، بل منظومة استراتيجية متكاملة تُعيد رسم التحالفات الإقليمية على أساس يقصي كل خطاب إسلامي يرفع القضية الفلسطينية شعارا. وانخراط المغرب في هذه المنظومة أرسل رسالة واضحة: الخيارات الاستراتيجية الكبرى تعلو على كل اعتبار آخر بما في ذلك الحساسيات الدينية والسياسية الداخلية.

ويبقى السؤال الجوهري: هل يملك المغرب هامشا من الاستقلالية في إدارة ملف الإسلام السياسي، أم أن الضغوط الخارجية باتت تحدد سقف الممكن؟ والجواب أن هامش الاستقلالية موجود لكنه يضيق في كل مرحلة تتعمق فيها الارتباطات الاستراتيجية مع القوى الضاغطة.

 

خامسا — نهاية أم إعادة تشكّل؟

يبقى السؤال الأكبر الذي افتتحنا به هذه الخلاصة: هل نحن أمام نهاية الإسلام السياسي في المغرب أم أمام إعادة تشكّله؟

الشواهد المتاحة لا تدعم فرضية النهاية. فالحضور المجتمعي لجماعة العدل والإحسان، والوثيقة السياسية الشاملة التي أصدرتها وقدمتها للرأي العام في فبراير 2024، والجدل الذي أثاره توقيع العثماني على اتفاقيات أبراهام داخل حركة التوحيد والإصلاح ذاتها، كلها مؤشرات على أن الإسلام السياسي لم ينته بل يعيد ترتيب أوراقه.

ما نحن أمامه هو بالأحرى مرحلة إعادة تشكّل عميق تتجلى ملامحه في ثلاث اتجاهات: أولها تراجع نموذج الإسلام السياسي المؤسسي المُدمَج في السلطة، وثانيها صمود نموذج الإسلام السياسي المجتمعي المحاصَر خارج المؤسسات، وثالثها بروز جيل جديد لا يرى في النموذجين القائمين إجابة كافية عن أسئلته.

 

خاتمة الدراسة — ما يقوله النموذج المغربي

يكشف النموذج المغربي في نهاية المطاف عن حقيقة تتجاوز الحالة المغربية إلى الأفق العربي والإسلامي الأوسع: الإسلام السياسي لا يهزم بالإقصاء ولا يروض بالإدماج الكلي. الإقصاء يمنحه شرعية الاضطهاد، والإدماج الكلي يفرغه من مضمونه. ومن ثَمَّ فإن أزمته الحقيقية ليست أزمة علاقة مع الدولة فحسب، بل هي أزمة مراجعة ذاتية داخلية لم تكتمل بعد في أي من نموذجَيه.

والسؤال الذي تتركه هذه الدراسة مفتوحا هو: هل يملك الإسلام السياسي في المغرب — بنموذجَيه المُدمَج والمحاصَر — القدرةَ على إنتاج مراجعة فكرية وسياسية حقيقية تجيب عن أسئلة المرحلة الجديدة؟ أم أنه سيظل أسير جدلية الإدماج والحصار التي حكمت مساره لعقود؟

الإجابة تستلزم أولا تشخيص طبيعة الأزمة. فالإسلام السياسي المغربي يواجه اليوم ثلاث تحديات متشابكة: تحدي المصداقية الذي كشفته هزيمة 2021 وأظهر أن الإدماج المفرط يفضي إلى فقدان الهوية التمايزية، وتحدي الحصار الذي يبقي نموذج العدل والإحسان فاعلا مجتمعيا لكنه يحول دون تحوله إلى قوة سياسية مؤثرة في القرار، وتحدي الجيل الجديد الذي لا يرى في النموذجين القائمين إجابة كافية عن أسئلته المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة.

وما يزيد المشهد تعقيدا أن هذه التحديات الداخلية تتقاطع مع ضغوط خارجية منظمة لا تخفي أهدافها: إعادة رسم خريطة التدين السياسي في المنطقة بما يخدم التحالفات الاستراتيجية الجديدة، ويجفف منابع كل خطاب إسلامي ذي بعد سياسي مستقل.

في مواجهة هذه التحديات، يبدو أن الإسلام السياسي المغربي أمام خيارات ثلاثة لا رابع لها: إما مراجعة فكرية وسياسية عميقة تعيد تعريف علاقته بالدولة والمجتمع والسياق الدولي على أسس جديدة، وإما الاستمرار في نموذجَيه القائمَين مع ما يحمله كل منهما من أثمان متراكمة، وإما الذوبان التدريجي في منطق الدولة أو في هامش الهوامش المجتمعية.

الجواب رهين بما ستكشفه الأيام القادمة في مغرب يبحث، شأنه شأن كثير من بلدان المنطقة، عن توازن جديد بين الدولة والمجتمع والدين والسياسة.. توازن لن يتحقق حتما بقرار فوقي.

 

نُشر على صفحات جريدة “بيان اليوم” _ ملحق إشراقات _ الصفحة 10 –

بتاريخ 09 مارس 2026 _ العدد: 10454

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى