الإسلام السياسي في المغرب بين الدولة والمجتمع.. 1 التأطير المفاهيمي والتاريخي
فواصل –
تقديم عام
يطرح المشهد السياسي المغربي الراهن أسئلة جوهرية لا تحتمل التأجيل: ما الذي تبقّى من الإسلام السياسي بعد أن أُفرغ نموذجه الحكومي من مضمونه وخرج من السلطة مهزوما انتخابيا عام 2021؟ وما الذي يعنيه استمرار جماعة العدل والإحسان في الحضور المجتمعي رغم عقود من التضييق الممنهج؟ وهل ما نشهده من تراجع للإسلام السياسي في المغرب قرار سيادي داخلي، أم هو استجابة لاستراتيجية إقليمية ودولية منظمة تستهدف إعادة رسم خريطة التدين السياسي في المنطقة برمتها؟
هذه الدراسة، الموزعة على أربع حلقات تصدر تباعا خلال شهر رمضان، لا تدعي الإحاطة الشاملة بظاهرة بالغة التعقيد، لكنها تسعى إلى تقديم قراءة تحليلية تجمع بين الرصانة المنهجية وحيوية التحليل السياسي، عبر مفهومَين محوريَّين يشكّلان عمودها الفقري: الإدماج والتهميش، بوصفهما أداتَي حكم وظفتهما الدولة المغربية في إدارة علاقتها مع الحركات الإسلامية. وتنطلق من فرضية مركزية مفادها أن هذين المفهومين لا يعملان بشكل متعاقب أو منفصل، بل يتشابكان ويتفاعلان في الزمان والمكان ذاتهما، مما يجعل فهم أحدهما مشروطا بفهم الآخر.
تتناول الحلقة الأولى التأطير المفاهيمي والتاريخي، وتضع الأسس التحليلية التي ستُبنى عليها الحلقات الثلاث القادمة.
الإسلام السياسي في المغرب بين الدولة والمجتمع.. جدلية الإدماج والتهميش
الحلقة الأولى: التأطير المفاهيمي والتاريخي
لا يمكن فهم المشهد السياسي المغربي في عمقه دون الإمساك بخيط جوهري يسري عبر تاريخه المعاصر: العلاقة المركبة والمتوترة بين الدولة والحركات الإسلامية. علاقة لا تستقيم قراءتها بأدوات الاختزال، فهي ليست عداء مطلقا، ولا تحالفا نقيا، بل هي جدلية متحركة تتشكل وفق موازين القوى الداخلية، وتستجيب في الآن ذاته لضغوط استراتيجية إقليمية ودولية لا يمكن تجاهلها.
تسعى هذه الدراسة، الموزعة على أربع حلقات، إلى تشريح هذه الجدلية عبر مفهومين محوريين: الإدماج والتهميش. وهما مفهومان لا يعملان بشكل متعاقب أو منفصل، بل يتشابكان ويتفاعلان في الزمان والمكان ذاتهما، مما يجعل السؤال الحقيقي ليس: هل تُدمج الدولة المغربية الحركات الإسلامية أم تهمشها؟ بل: كيف توظف الدولة الإدماج والتهميش معا بوصفهما أدوات حكم وضبط؟
أولا: إشكالية المفهوم — هل يصح الحديث عن “إسلام سياسي” في المغرب؟
قبل الخوض في التحليل، تجدر الوقفة عند المفهوم ذاته. فمصطلح “الإسلام السياسي” ليس محايدا؛ هو مفهوم نشأ في الفضاء الأكاديمي الغربي وحمل منذ البداية شحنات إيديولوجية جعلته في أحيان كثيرة أداة للوصم أكثر منه أداة للفهم. ومع ذلك، فإن التخلي عنه كليا يعسر التحليل المقارن ويفضي إلى ضبابية مفاهيمية.
المقاربة التي تتبناها هذه الدراسة تنطلق من فهم براغماتي: الإسلام السياسي في السياق المغربي يقصد به مجموع الحركات والتنظيمات التي تجعل من المرجعية الإسلامية أساسا لمشروعها في التغيير الاجتماعي والسياسي، مع التمييز الواضح بين تيارات اختارت الاندراج في المؤسسات القائمة، وأخرى آثرت الوقوف خارجها رفضا مبدئيا أو اضطرارا.
والحقيقة أن الخصوصية المغربية تجعل هذا المصطلح أكثر تعقيدا مما هو عليه في سياقات أخرى. ذلك أن الدولة المغربية ذاتها تستند إلى مرجعية إسلامية، يجسدها نظام سياسي ديني متمثل في إمارة المؤمنين الذي يمنح الملك سلطة مرجعية عليا على الحقل الديني، تجعله لاعبا دستوريا فيه، لا مجرد حكم محايد يشرف عليه من الخارج. ومن ثَم فإن “الإسلام السياسي” في المغرب يعني في جوهره: السياسة الإسلامية التي تدور خارج الدائرة الرسمية للدولة أو تنافسها على الشرعية.
ثانيا: الجذور التاريخية — من إصلاح الحماية إلى ما بعد الاستقلال
الحركات الإسلامية في المغرب ليست وليدة السبعينيات أو الثمانينيات من القرن الماضي كما قد يوحي بعض التأريخ السطحي؛ جذورها أعمق وأكثر تشعبا. ففي زمن الحماية الفرنسية (1912-1956)، حمل العلماء والزوايا والحركة الوطنية معا راية المقاومة، وكان الإسلام فيها هوية جامعة ومشروع تحرر في آن واحد.
غير أن الاستقلال لم يفض إلى ترتيب هادئ لهذا الإرث المركب. فمنذ الأيام الأولى لتأسيس الدولة المستقلة، بدأ التنافس على احتكار المرجعية الدينية بين القصر والحركة الوطنية ممثلة في حزب الاستقلال. وقد خرج الملك محمد الخامس ثم الحسن الثاني من هذا التنافس بوضع مؤسسي صريح يجعل الملك “أمير المؤمنين”، وبذلك تحولت المرجعية الدينية إلى احتكار ملكي دستوري، في حين غدا كل خطاب ديني سياسي يعمل خارج هذه المظلة مشروعا بالتعريف تهديدا محتملا للشرعية.
في السياق الدولي، لم تكن هذه المرحلة بمعزل عما يجري في العالم. فخلال الحرب الباردة وظفت الولايات المتحدة الحركات الإسلامية في مواجهة المد الشيوعي، وشجعت الأنظمة الحليفة على احتضانها بوصفها حاجزا أمام اليسار الثوري. وقد انعكس هذا التوجه على السياسة المغربية حين سمح الحسن الثاني نسبيا بنشاط بعض التيارات الإسلامية في مواجهة الحركات اليسارية التي كانت تشكل تهديدا أكثر إلحاحا آنذاك.
ثالثا: السبعينيات والثمانينيات — لحظة التشكل الكبرى
في السبعينيات من القرن الماضي، بدأت ملامح الحركات الإسلامية المغربية المعاصرة تتضح، وكان أبرز ما ميز هذه المرحلة ظهور أول تنظيم إسلامي منظم في المغرب: حركة الشبيبة الإسلامية، التي أسسها عبد الكريم مطيع وإبراهيم كمال عام 1969، ولم تحصل على اعتراف رسمي إلا عام 1972.
نشأت الحركة في سياق الصراع الأيديولوجي الحاد داخل الجامعات المغربية، حيث وظفتها الدولة في مواجهة المد اليساري الثوري الذي كان يشكل تهديدا أكثر إلحاحا آنذاك.
غير أن العلاقة بين الدولة والشبيبة الإسلامية سرعان ما انقلبت. فعقب اتهام الحركة بالضلوع في اغتيال القيادي اليساري البارز، عمر بنجلون، عام 1975، دخلت في مواجهة مكشوفة مع الدولة، وفرّ مؤسسها عبد الكريم مطيع إلى الخارج حيث لا يزال مقيما. وكان هذا الحدث بمثابة نهاية الشبيبة الإسلامية بصيغتها الأولى، لكنه لم يكن نهاية كوادرها.
فأغلب مكونات الحركة الإسلامية الراهنة في المغرب هي في جوهرها امتداد لهذه الشبيبة، إذ التحق كثير من أعضائها بالتنظيمات الإسلامية التي ستنشأ لاحقا. ولعل أبلغ مثال على ذلك أن عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، ومصطفى الرميد، وزير العدل والحريات الأسبق، كلاهما من الكوادر التي مرت بتجربة الشبيبة الإسلامية قبل أن تجد طريقها إلى الحركة الإسلامية المؤسسية. وهو ما يعني أن الإسلام السياسي المغربي المعاصر لا يمكن فهم جذوره دون استحضار هذا الرحم التأسيسي الأول.
وفي هذه الحقبة ذاتها برز حدثان آخران بالغا الدلالة: ظهور الشيخ عبد السلام ياسين في الفضاء العام برسالته الشهيرة “الإسلام أو الطوفان” إلى الملك الحسن الثاني عام 1974، ورسوخ الحركات الإسلامية الجامعية التي ستشكل لاحقا النواة الأولى للحركة الإسلامية بمنظور “الإسلام السياسي”.
وهذه الوقائع مجتمعة تكشف عن منطقين مختلفين في التعامل مع الدولة: منطق المواجهة الجذرية كما جسدته الشبيبة الإسلامية والأستاذ عبد السلام ياسين، ومنطق الإصلاح التدريجي من الداخل كما ستجسده لاحقا حركة التوحيد والإصلاح. وهذان المنطقان هما اللذان سيشكلان النموذجين الأساسيين لجدلية الإدماج والتهميش في المغرب.
في هذه الحقبة ذاتها، أخذت الدولة تطور أدواتها في إدارة الحقل الديني. فمع موجة الصحوة الإسلامية التي اجتاحت العالم الإسلامي في أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979، وجد المغرب نفسه أمام معادلة جديدة: لم يعد بالإمكان تجاهل الحضور الإسلامي المتصاعد، لكن لم يكن مقبولا السماح له بالنمو بشكل مستقل عن سلطة الدولة.
رابعا: الإطار التحليلي — جدلية الإدماج والتهميش
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية: إن السياسة المغربية تجاه الحركات الإسلامية لا تُفهم بأحادية الإدماج ولا بأحادية التهميش، بل بجدلية متحركة توظف الأداتين معا بحسب طبيعة كل تيار وموازين القوى في كل مرحلة.
الإدماج يعني دمج الحركة الإسلامية في المنظومة المؤسسية القائمة، سواء عبر السماح لها بتأسيس حزب سياسي، أو استيعابها في هياكل الدولة الدينية الرسمية، أو إشراكها في الحكومة. والإدماج لا يعني قبول الدولة بالحركة شريكا نديا، بل هو آلية لترويضها وتطويع خطابها وربطها بقيود المنظومة القائمة وتبعاتها.
والتهميش لا يعني الإقصاء الكلي، بل هو طيف واسع من أشكال الضغط والتضييق: من الحرمان من الاعتراف القانوني، إلى الملاحقة الأمنية، إلى إفقاد الحضور المؤسسي.
التهميش هنا يحمل مفارقة عميقة: فالحركة “المهمشة رسميا” قد تحتفظ بوزن مجتمعي أكبر مما تحتفظ به الحركة المدمجة التي دفعت ثمن قبولها بالمؤسسة.
وهنا تبرز الأسئلة الجوهرية التي ستحاول الحلقات القادمة الإجابة عنها: من يُدمج من في نهاية المطاف؟ هل تُدمج الدولة الحركات الإسلامية، أم أن هذه الحركات تدمَج في منطق الدولة حتى الذوبان؟ وهل يصمد الرفض أمام ثمنه الباهظ؟ وهل الإدماج والتهميش قراران سياديان خالصان، أم أن للاستراتيجية الدولية يد فيهما؟
خاتمة الحلقة الأولى
يقف المغرب اليوم عند مفترق دقيق في علاقته مع الإسلام السياسي. فبعد عقود من التوازنات الحذرة، تبدو خريطة المشهد قد تغيرت بفعل متغيرات كبرى: انهيار تجربة الإسلام السياسي في السلطة ممثلا في حزب العدالة والتنمية بعد 2021، وتصاعد الضغوط الإقليمية والدولية نحو تجفيف منابع الإسلام السياسي في ظل موجة اتفاقيات التطبيع ومنظومة إعادة رسم التحالفات الإقليمية.
لكن التاريخ يعلمنا أن الظواهر الاجتماعية الكبرى لا تنتهي بقرار فوقي أو ضغط خارجي. وما يبدو نهاية قد يكون في الحقيقة إعادة تشكل. والحلقات القادمة ستسعى إلى فك هذا المشهد المركب عبر تحليل نموذجَي الإدماج والتهميش بما يكشف عن جدليتهما الحقيقية وما تنطوي عليه من دلالات تتجاوز المغرب إلى الأفق العربي والإسلامي الأوسع.
نُشر على صفحات بيان اليوم 04 مارس 2025 _ الصفحة 10

الحلقة الثانية ضمن عدد قابل وتتناول: الدولة وإستراتيجية الإدماج