فواصل

المغرب عند عتبة 2026: حصيلة اجتماعية وحقوقية مثقلة

نموذج تنموي يعيد طرح سؤال العقد الاجتماعي

 

فواصل –

حسن اليوسفي المغاري –

نُشر على صفحات يومية “بيان اليوم” بتاريخ 06 يناير 2026

 

نموذج تنموي يعيد طرح سؤال العقد الاجتماعي

ينهي المغرب سنة 2025 بحصيلة ثقيلة على المستويات الاجتماعية والحقوقية والسياسية، ويدخل سنة 2026 وهو محمَّل بحصيلة مركّبة، تتداخل فيها مؤشرات الصمود الاقتصادي مع تصاعد الإحساس الاجتماعي بالضغط، وتتجاور فيها خطابات الإصلاح والاستقرار مع واقع يومي موسوم بالغلاء، وتآكل الثقة، واتساع الفوارق.

ليست هذه الحصيلة وليدة ظرف عابر، بل نتاج مسار تراكمي جعل من التناقضات البنيوية في النموذج التنموي والسياسي معطى ثابتا، لا استثناء مرحليا.

إن قراءة المغرب عند عتبة 2026 تفرض تجاوز المقاربة الانطباعية أو الخطاب التبريري، والعودة إلى المعطيات الرسمية، وإلى النقاش العمومي الذي طبع نهاية 2025، خاصة فيما يتعلق بالحقوق والحريات، والتنظيم الذاتي للصحافة، ودور المؤسسات في إعادة بناء الثقة. فالمسألة لم تعد تتعلق بأزمة قطاع أو سياسة، بل بسؤال أعمق يمس جوهر العقد الاجتماعي الذي يربط الدولة بالمجتمع.

مؤشرات رسمية تكشف عمق الضغط الاجتماعي

تُظهر معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن نهاية 2025 كانت قاسية اجتماعيا على فئات واسعة من المغاربة. فحسب البحث الظرفي حول وضعية الأسر، صرّحت أكثر من 80% من الأسر المغربية بتدهور مستوى معيشتها خلال السنة، مقابل نسبة هامشية فقط رأت تحسنا في أوضاعها. هذه النسبة المرتفعة، الصادرة عن مؤسسة رسمية، لا يمكن اختزالها في شعور عابر، بل تعكس تحول الغلاء وتآكل القدرة الشرائية إلى واقع بنيوي.

الأخطر أن أكثر من 80% من الأسر تتوقع استمرار ارتفاع البطالة في المدى القريب، وهو ما يكشف حجم القلق الاجتماعي بشأن المستقبل، لا الحاضر فقط. فالإحساس بعدم الأمان الاقتصادي بات سمة عامة، حتى لدى فئات كانت تُصنف تقليديا ضمن الطبقة الوسطى.

هذه الأخيرة أنهت 2025 في وضع هش غير مسبوق. فبين ضغط ضريبي متزايد، وارتفاع تكاليف التعليم والصحة والسكن، وجمود الأجور، تآكلت قدرتها على لعب دور «العازل الاجتماعي» بين الفقر والاحتقان. أما الفئات الهشة، فرغم تسجيل تراجع في الفقر متعدد الأبعاد إلى حدود 6.8% وفق آخر معطيات رسمية، فإن هذا التقدم العددي يخفي واقعًا آخر: استمرار الفوارق المجالية، وتمركز الفقر والهشاشة في العالم القروي والمناطق المهمشة، وضعف أثر البرامج الاجتماعية على تحسين شروط العيش الفعلية.

سوق الشغل.. بطالة بنيوية وأفق مسدود للشباب

على مستوى التشغيل، خرج المغرب من 2025 بأرقام مقلقة. فمعدل البطالة الوطني بلغ حوالي 13.1%، لكنه يرتفع بشكل حاد في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، متجاوزا 38% في بعض الفئات. هذه الأرقام تكشف محدودية قدرة النمو الاقتصادي والمشاريع الكبرى على خلق فرص شغل كافية ولائقة.

ورغم الحديث الرسمي عن دينامية الاستثمار والبنيات التحتية، فإن أثر هذه الاستثمارات على سوق الشغل يظل ضعيفا، سواء من حيث العدد أو الجودة. العمل غير اللائق، والهشاشة، والتشغيل غير الكامل، أصبحت سمات بارزة، ما يجعل الاستقرار المهني استثناء لا قاعدة.

في هذا السياق، تعود الهجرة غير النظامية لتفرض نفسها كخيار يائس لدى فئات من الشباب، ليس فقط في المناطق الهامشية، بل حتى في المدن الكبرى. إنها رسالة اجتماعية صامتة مفادها أن الاندماج الاقتصادي لم يعد مضمونا داخل الوطن، وأن العقد الضمني بين التعليم والشغل قد انهار.

الخدمات العمومية.. تآكل الثقة في المدرسة والمستشفى

لا يمكن فصل الإحساس العام بالضغط عن وضعية الخدمات العمومية. فالتعليم العمومي أنهى 2025 وهو في وضعية إنهاك مزمنة: اكتظاظ، خصاص في الموارد، وتراجع في الجودة، ما عمّق الفوارق بين من يستطيع ولوج التعليم الخاص ومن لا يملك سوى مدرسة عمومية ضعيفة الإمكانات. وهكذا، يتحول التعليم من أداة للترقي الاجتماعي إلى آلية لإعادة إنتاج اللامساواة.

الأمر ذاته ينسحب على قطاع الصحة. فالنقص في الموارد البشرية والتجهيزات، وطول آجال الانتظار، يدفعان المواطنين، قسرا، نحو القطاع الخاص، حيث الأسعار المرتفعة تجعل العلاج امتيازا طبقيا. هذا الواقع يضرب في العمق مبدأ الحق في الصحة، ويقوّض أحد أعمدة العقد الاجتماعي الحديث.

الحقوق والحريات.. توتر صامت وحدود غير معلنة

حقوقيا، يدخل المغرب 2026 في مناخ يتسم بالحساسية. فحرية التعبير ظلت خلال 2025 مجالا للتجاذب، في ظل استمرار متابعات مرتبطة بالرأي والنشر، سواء في الصحافة أو الفضاء الرقمي. كما واجهت بعض الحركات الاحتجاجية ذات الطابع الاجتماعي تضييقا أمنيا وإداريا، رغم مشروعية مطالبها.

هذا الواقع لا يعكس بالضرورة قطيعة مع المكتسبات الحقوقية، لكنه يكشف حدود الهامش المتاح للنقد والمساءلة، ويغذي شعورا متزايدا بأن تدبير المطالب الاجتماعية يتم بمنطق أمني أكثر منه سياسي أو تشاركي. وهو ما ينعكس مباشرة على منسوب الثقة بين الدولة والمجتمع.

الصحافة والتنظيم الذاتي.. قانون يفتح نقاشا أكبر من المهنة

في قلب هذا السياق الحقوقي، برز مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل في نهاية 2025. فقد اعتبره جزء واسع من الجسم الصحفي والحقوقي تراجعا عن فلسفة التنظيم الذاتي التي أُقرت سابقا، لصالح مقاربة تميل إلى الضبط الإداري وإعادة تشكيل الحقل الصحفي من خارج إرادة المهنيين.

سؤال الأخلاقيات، الذي يُفترض أن يكون شأنا مهنيا داخليا، تحوّل في هذا النقاش إلى أداة محتملة لتقييد حرية الرأي والتعبير. فالأخلاقيات، حين تُفصل عن حرية الصحافة واستقلاليتها، قد تتحول من آلية حماية للمهنة إلى وسيلة للضغط والضبط. وهذا ما يفسر تخوفات واسعة من أن يؤثر هذا القانون على الدور الرقابي للصحافة، وعلى حق المجتمع في المعلومة والنقاش الحر.

إن هذا الجدل يتجاوز حدود قطاع الصحافة، لأنه يمس إحدى ركائز العقد الديمقراطي: إعلام مستقل، منظم ذاتيا، وقادر على مساءلة السلطة دون وصاية. وأي مساس بهذا التوازن ينعكس مباشرة على جودة النقاش العمومي وعلى الثقة في المؤسسات.

السياسة والمؤسسات.. أزمة وساطة مزمنة

سياسيا، أنهى المغرب 2025 بمشهد يتسم بالجمود. الأحزاب السياسية تعاني من أزمة مصداقية وتأطير، والبرلمان يبدو، في نظر فئات واسعة من المواطنين، بعيدا عن انشغالاتهم اليومية. النقاش العمومي حول القضايا الاجتماعية والحقوقية ظل محدودا، فيما استمر العزوف السياسي كعنوان صامت لانعدام الثقة في جدوى المشاركة.

هذا الواقع يعمّق أزمة الوساطة بين الدولة والمجتمع، ويجعل الاحتقان الاجتماعي بلا قنوات تعبير سياسية فعالة، ما يرفع كلفة أي توتر محتمل في المستقبل.

توصيات مؤسساتية وفجوة التنفيذ

في هذا السياق، تكتسي ملاحظات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أهمية خاصة. فالمجلس شدد، في تقاريره وتوصياته، على ضرورة تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وإشراك المجتمع المدني والفاعلين في بلورة السياسات العمومية.

غير أن الإشكال لا يكمن في غياب التشخيص أو التوصيات، بل في فجوة التنفيذ. فالتباطؤ في تنزيل الإصلاحات، وضعف الإلتقائية بين السياسات، يجعلان هذه التوصيات أقرب إلى مرجعيات نظرية منها إلى أدوات تغيير فعلي.

العقد الاجتماعي في لحظة اختبار

مع نهاية سنة 2025 وبداية سنة جديدة، يتضح أن سؤال العقد الاجتماعي لم يعد مفهوما نظريا مؤجلا، بل أضحى اختبارا عمليا يوميا يواجهه المغرب في تماسكه الاجتماعي، وشرعية مؤسساته، وثقة مواطنيه في الدولة. فالمعطيات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية المتراكمة تكشف أن العقد غير المعلن الذي حكم العلاقة بين الدولة والمجتمع خلال العقود الأخيرة بات متآكلا: الدولة تعد بالنمو والاستقرار، والمواطن يقبل بالتضحيات في مقابل تحسين شروط العيش والكرامة والعدالة. غير أن هذه المعادلة لم تعد تشتغل بالوتيرة نفسها ولا بالنتائج نفسها.

تراجع القدرة الشرائية، اتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، هشاشة الطبقة الوسطى، بطالة الشباب، ضعف جودة الخدمات العمومية، وتآكل الثقة في الوسائط السياسية والمؤسسات التمثيلية؛ كلها مؤشرات على خلل عميق في توازن الالتزامات المتبادلة. يضاف إلى ذلك التوتر القائم بين متطلبات الاستقرار من جهة، واحترام الحقوق والحريات، خاصة حرية الرأي والتعبير والتنظيم، من جهة أخرى، وهو توتر يتجلى بوضوح في تدبير ملفات الاحتجاج الاجتماعي، وفي النقاش الدائر حول تنظيم الصحافة وأخلاقياتها وحدود التنظيم الذاتي.

إن العقد الاجتماعي، في جوهره، ليس مجرد توزيع للأعباء والمنافع، بل هو تعاقد ضمني حول المعنى: معنى الانتماء، والمشاركة، والإنصاف، والأمل في المستقبل. وعندما يشعر جزء واسع من المجتمع بأن هذا المعنى يتآكل، وأن السياسات العمومية لا تعكس أولوياته الفعلية، فإن مخاطر الانفصال الصامت بين الدولة والمجتمع تصبح حقيقية، حتى في غياب انفجارات اجتماعية كبرى.

من هنا، فإن لحظة 2026 ليست لحظة تسيير اعتيادي أو تمديد للسياسات نفسها، بل لحظة مراجعة شجاعة. مراجعة تعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية كمدخل للاستقرار، وللحقوق والحريات كشرط للثقة، وللمشاركة السياسية كآلية لتجديد الشرعية. دون ذلك، سيظل العقد الاجتماعي في وضعية اختبار دائم، تتسع فيها المسافة بين ما يُقال رسميا وما يُعاش فعليا، وهو وضع لا يمكن لأي مجتمع أن يستدام طويلا دون كلفة سياسية واجتماعية مضاعفة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى