فواصل –
لم يكن ذلك العبور إلى النهائي مجرد فصل جديد في سجل المنافسة القارية، بل لحظة مشحونة بالإحساس، كشفت أن كرة القدم قادرة أحيانا على قول ما تعجز عنه الخطب الطويلة. في تلك الليلة، لم يكن الرهان محصورا في الفوز، بل في القدرة على الصمود، وعلى تحويل التوتر إلى طاقة جماعية تحمي الحلم من الانكسار.
طيلة دقائق المواجهة، بدا المنتخب المغربي وكأنه يسير على خيط رفيع بين الضغط والتركيز. لم يكن الأداء استعراضا، ولا السيطرة مطلقة، غير أن ما ميّز الفريق هو الهدوء في قلب العاصفة. أمام منافس يعرف جيدا دهاليز التتويج، اختار اللاعبون الرهان على التماسك، وعلى إدارة اللحظة بدل الانجرار وراء استعجال قد يكلّف الكثير.
في مثل هذه المباريات، لا تصنع الفارق المهارة وحدها، بل القدرة على الاحتمال. حين تضيق المساحات، وحين تتسارع الأنفاس، يظهر جوهر المجموعة: لاعب يسدّ ثغرة، وآخر يتراجع دون تذمّر، وثالث يواصل الركض لأنه يؤمن أن الجهد المشترك هو الطريق الأقصر نحو النجاة. لم تكن هناك نجومية صاخبة، بل حضور جماعي صامت، يعرف ماذا يريد ومتى ينتظر.

وعندما بلغ التوتر ذروته، جاءت لحظة الحسم كتتويج لمسار طويل من الانضباط الذهني. لم تكن ركلات الترجيح مقامرة، بل امتحانا للأعصاب، اجتازه اللاعب المغربي بثبات من يعرف أن الخسارة الحقيقية كانت ستكمن في الاستسلام المبكر، لا في نتيجة المباراة.
النهائي الذي ينتظر الفريق هو محطة أخرى، تحمل في طياتها كل الاحتمالات، لكن الأهم أن هذه الرحلة أعادت إلى الواجهة معنى بسيطا وعميقا في آن واحد: النجاح لا يولد من الصدفة، بل من الثقة المتبادلة، ومن وضوح الأدوار، ومن الإحساس بأنك جزء من كيان أكبر منك.
هكذا تتحوّل المباراة إلى ما يشبه الرسالة المفتوحة: الوطن لا يحتاج دائما إلى أبطال خارقين، بقدر ما يحتاج إلى أفراد يعرفون كيف يعملون معا، بصمت، وبإصرار. وعندها فقط، يصبح الانتصار نتيجة طبيعية، لا غاية معزولة عن معناها، والرياضة طبعا كباقي كل المجالات التي تتطلب روح الفريق الوطني.