فواصل

جدلية العدالة والواقعية السياسية: تآكل الشرعية الدولية أمام صلف الأمر الواقع

فواصل

جدلية العدالة والواقعية السياسية: تآكل الشرعية الدولية أمام صلف الأمر الواقع

 حسن اليوسفي المغاري مدير نشر موقع [الإعلامي]

في أدبيات العلاقات الدولية، غالبا ما يتم تصوير “الواقعية السياسية” كقاعدة ناظمة للعلاقات بين الدول، حيث تعلو موازين القوى والمصالح الاستراتيجية فوق أي اعتبار أخلاقي أو قانوني. غير أن القضية الفلسطينية، وفي جوهرها المأساة المستمرة في قطاع غزة، قد حوّلت هذا المفهوم إلى غطاء لتبرير خرق أبسط قواعد القانون الدولي الإنساني، مما يضع مفهوم “العدالة الدولية” أمام اختبار وجودي لم يسبق له مثيل منذ تأسيس منظمة الأمم المتحدة.

أولا: أزمة القانون الدولي في مواجهة “الاستثناء

لقد استندت المنظومة الدولية منذ عام 1945 إلى مبادئ السيادة، وحق تقرير المصير، وتحريم الاستيلاء على الأرض بالقوة. ومع ذلك، نجد أن إسرائيل تمارس حالة من “الاستثناء القانوني”، حيث يتم التعامل مع جرائم الحرب، والتهجير القسري، وسياسات التجويع في غزة كوقائع ميدانية “مفروضة”، بدلا من تصنيفها كخروقات جسيمة لاتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

إن صمت المنتظم الدولي، أو في أحسن الأحوال، الاكتفاء ببيانات القلق، يعكس انحيازا بنيويا يضع “الواقعية السياسية” في صدام مباشر مع “العدالة القانونية”. فعندما تُعطل القوى الكبرى آليات المساءلة الدولية، فإنها لا تقوض فقط مشروعية القانون الدولي، بل تفتح الباب واسعا أمام “شريعة الغاب” في العلاقات الدولية، حيث تصبح القوة هي المصدر الوحيد للحق.

ثانيا: قطاع غزة كنموذج لتقويض الضمير العالمي

ما يجري في قطاع غزة اليوم يتجاوز كونه صراعا إقليميا؛ إنه عملية إبادة ممنهجة تتم على مرأى ومسمع من العالم، في تحد سافر لقرارات المحاكم الدولية. إن استهداف المدنيين، والمستشفيات، والبنى التحتية، تحت ذريعة “الدفاع عن النفس”، يمثل انقلابا مفاهيميا على القانون الدولي الذي وُجد أساسا لحماية الضعفاء من غطرسة الأقوياء.

إن الفجوة هنا ليست تقنية أو قانونية فحسب، بل هي فجوة أخلاقية. فالعدالة، كما يُفترض بها أن تكون، هي معيار كوني لا يتجزأ. إن تكييف القوانين لخدمة “الواقعية السياسية” الإسرائيلية-الغربية يخلق حالة من الازدواجية المعيارية التي تفقد المؤسسات الدولية، كالأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، بريقها وقدرتها على ضبط التوازنات العالمية.

ثالثا: نحو إعادة تعريف النظام الدولي

إن استمرار هذا المسار لا ينبئ فقط بمستقبل قاتم للمنطقة، بل ينذر بانهيار النظام الدولي القائم على القواعد. إن تحقيق العدالة في فلسطين ليس مجرد مطلب إنساني؛ إنه ضرورة استراتيجية لإعادة بناء الثقة في القانون الدولي كأداة لفض النزاعات.

فعلى الفاعلين الدوليين، والمثقفين، والحقوقيين، والمنتظم الدولي بأسره، أن يدركوا أن “الواقعية السياسية” التي تضحي بالعدالة في سبيل موازين القوى هي واقعية قصيرة النظر. إن التاريخ يعلمنا أن السلام المبني على الظلم هو سلام هش، وأن الحقوق التاريخية، مهما طال أمد إنكارها، لا تسقط بالتقادم، بل تظل وقودا لحركات التحرر والمقاومة التي لا تنتهي إلا باستعادة الحق المسلوب.

خلاصة القول: إننا نعيش لحظة فارقة؛ إما أن ينتصر القانون الدولي كحكم بين الدول، وإما أن نستسلم لنظام دولي تُملي فيه القوة وحدها مسارات التاريخ. وفي الحالة الفلسطينية، تظل العدالة هي البوصلة الوحيدة التي يمكنها إخراج العالم من وحل النفاق السياسي إلى فضاء الشرعية والقانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى