فواصل

حين يعود الميلاد: لا لنبدأ.. بل لنفهم

فواصل –

حسن اليوسفي المغاري –

 

حين يعود الميلاد: لا لنبدأ.. بل لنفهم

اليوم عاد لا كرقم في سجلّ الحالة المدنية، بل كمرآة صافية تعيد ترتيب الملامح التي بعثرتها السنوات.

“اليوم عدت يا يوم مولدي”؛ عبارة تبدو بسيطة، لكنها في عمقها افتتاحية حياة تكتب من جديد، لا بالحبر فقط، بل بما تراكم من خيبات صامتة، وانتصارات لم تُدوَّن.

تمر السنوات كما تمر العناوين في نشرات الأخبار: سريعة، متلاحقة، وأحيانا منصفة، لكن في الغالب انتقائية. وبين هذا الإيقاع، يقف “الصحافي الشرفي” شاهدا لا يستدعى، وفاعلا لا يعترف به.

أكتب اليوم، لا بصفتي مجرد ذات تحتفي بميلادها، بل كصوت مهني يعرف جيدا معنى أن تكون حاضرا في الميدان، وغائبا في الاعتراف الرسمي.

في “فواصل حياتي”، لا شيء يروى عبثا. كل مشهد يحمل أثره، وكل فصل يترك بصمته، حتى تلك الفصول التي كُتبت خارج الضوء. هناك، في الهامش، حيث يُركَن الصحافيون الشرفيون، تتكدّس الحكايات التي لم تجد طريقها إلى المنابر، رغم أنها الأكثر صدقا، والأقرب إلى نبض الناس.

الماضي لا يُدفن، لأنه الدليل الوحيد على أننا كنّا هنا. هو أرشيفنا الحقيقي، حين تُغلق الأبواب الرسمية، وتعاد صياغة المعايير بما يُقصي من لا ينسجم مع “النص المهيمن”.

كصحافي شرفي، عشت المهنة لا كامتياز، بل كالتزام. كتبت، ورافقت، ونقلت، وواكبت.. لكنني وجدت نفسي، في لحظة ما، خارج خرائط الاعتراف، رغم أنني لم أخرج يوما من قلب المهنة.

“هرمنا”.. نعم، لكنها ليست عبارة استهلاك عابر، بل خلاصة مسار طويل من الانتظار: انتظار الإنصاف، انتظار الاعتراف، انتظار أن تُفهم الصحافة كرسالة، لا كترخيص. ومع ذلك، لم يكن الهرم سقوطا، بل تحوّلا في الوعي: لم نعد نطلب المكان، بل نُعرّي معايير من يمنحه.

في زمن “السيلفي”، حيث تُقاس القيمة بعدد الظهور، يبقى الصحافي الشرفي مُخلصا للصورة التي لا تُلتقط: صورة الحقيقة في شكلها الخام. وبين صورة قديمة كانت تُغمس في الماء حتى تتشكل، وصورة رقمية تُنتج في لحظة، ضاع الفرق بين العمق والسطح، إلا عند من خبر المهنة كفعل أخلاقي قبل أن تكون مهنة.

اليوم، وأنا أحتسي قهوة الذكريات في زمن يضيق فيه الاعتراف ويتّسع فيه الادعاء، لا أكتب مرثية لواقع مُجحف، بل شهادة عليه. شهادة صحافي شرفي يواجه التهميش الرسمي على جميع المستويات، لكنه يرفض أن يهمش داخليا؛ يرفض أن يتنازل عن المعنى، حتى وإن صودرت المساحات.

الصورة المرافقة ليست مجرد لقطة عابرة؛ إنها من داخل مقر TLS، حيث تُودع الملفات وتُعلَّق الآمال. هناك، بين الأوراق الرسمية ونظرات الانتظار، كنت أضع ملف التأشيرة طويلة الأمد.. لا كخيار مريح، بل كهجرة اضطرارية، تُملِيها ظروف الوضع الحالي قبل تقلبات الجغرافيا. صورة تختصر لحظة مفصلية: حين يتحوّل الصحافي من ناقل للوقائع إلى جزء منها.

“اليوم عُدتَ يا يوم مولدي وعُدتُ”…

عدتُ، لا لأحصي ما سُلب، بل لأؤكد أن القيمة لا تُمنح بقرار أو ببطاقة -صحافي شرفي- بدون أي معنى حقيقي للشرفي، ولا تُسحب بإقصاء.

عدتُ، لأنني ببساطة… ما زلت هنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى