
فواصل –
حين يمرض الجسد،
تستيقظ الروح على حقيقة طالما أجّلنا النظر فيها:
أن ما نملكه فعلا ليس ما جمعناه،
بل ما أعطيناه دون أن نساوم.
الصحة ليست نعمة من بين النعم،
هي الأرض التي تقف عليها كل المعاني،
وحين تهتز، يتساءل الإنسان:
ماذا بنيتُ؟ وهل بنيتُه على صخر أم على رمال؟
ثلاثون عاما على درب الحرف،
لم يكن الحرف فيها مهنة بقدر ما كان ميثاقا،
ميثاقا مع الكلمة ألّا تُباع،
ومع الضمير ألّا يُستأجَر،
ومع القارئ ألّا يُخدَع.
هذا النوع من الوفاء لا تمنحه الجوائز،
ولا تعترف به لجان القوانين،
لكنه يظل حيّا في من عاشه،
كجمرة تحت الرماد لا تنطفئ.
السياسة تريد التفاهة،
لأن التفاهة لا تُساءَل.
وتريد الخنوع،
لأن الخانع لا يُزعِج.
وتريد الصمت،
لأن الصامت لا يُذكَّر بما نُسي عَمدا.
ومن يخضع ينال، نعم،
لكنه ينال ما لا يُشبع،
ويدفع ثمنه من أثمن ما يملك:
من صورته أمام نفسه حين يخلو إليها.
أما الإقصاء،
ذلك الإقصاء المقصود الذي يُلبَس ثوب القانون،
ويُسمّى إعادة هيكلة أو تحديثا أو إصلاحا،
فهو في جوهره خوف مُنظَّم
من أصوات تعرف كيف تسمي الأشياء بأسمائها.
يحذفون اسمك من القوائم،
لكنهم لا يستطيعون حذف ما كتبت،
ولا محو من علّمت،
ولا إلغاء المواقف التي وقفتها حين كان الوقوف مُكلفا.
التاريخ لا يُشرَّع في البرلمانات.
العيش الكريم ليس رفاهية المال،
بل هو أن تنظر في المرآة صباحا
دون أن تغضّ الطرف.
أن تكتب ما تؤمن به،
أن تقول لا حين يجب،
أن تبكي حين يؤلمك الظلم
لأن الدمع دليل أنك لم تتحجّر.
الصحافي الشرفي لا يتقاعد،
لأن الضمير لا يعرف سن التقاعد،
ولأن الحقيقة لا تنتظر راتبا.
وإن ضاق المعاش،
وإن دفعتَ من جيبك ثمن الحضور،
فاعلم أن من يدفع من روحه لا من جيبه
هو من يبني ما يبقى.
تشبّث بعافيتك كما تتشبّث بقلمك،
فكلاهما أمانة لا تملك التفريط فيها،
وكلاهما مقاومة في وجه زمن
يريدك أن تنسى أنك كنتَ هنا.
لا تمت وأنت حيّ.
فالحضور في زمن الإقصاء
هو أشد أشكال الوجود جرأة،
وأعمقها معنى،
وأبقاها أثرا.
“كلمة الحق هي رأس المال الحقيقي،
والكرامة هي الانتصار الذي لا يُصادَر.”
ح.ي.م