فواصل

ساعة الأحد الأسود: حين تتحدى الحكومة قرابة 200 ألف مواطن

فواصل –

 

في الساعة الثانية فجر الأحد 22 مارس 2026، تقدمت عقارب الساعة ستين دقيقة، كعادتها كل ربيع. لكن هذا العام كان مختلفا: للمرة الأولى، كان قرابة 197 ألف مغربي يراقبون تلك اللحظة بمرارة، بعد أن وقّعوا عريضة موثقة طالبوا فيها بوقفها، فلم يجدوا من يُصغي. لم تكن تلك الدقائق الستون حركة آلية في الزمن، بل كانت رسالة من الحكومة مفادها: نحن نعرف، ونُقرر على أي حال.

حسن اليوسفي المغاري –

 

ليست “الساعة الإضافية” في المغرب مجرد اختيار تقني لضبط التوقيت، بل تحوّلت منذ اعتمادها بشكل دائم سنة 2018 إلى واحدة من أكثر السياسات العمومية إثارة للجدل، لأنها تمس مباشرة الإيقاع اليومي للمواطنين، وتختبر في عمقها علاقة الدولة بمواطنيها. واليوم، مع تجاوز عريضة “نريد العودة إلى التوقيت الطبيعي” عتبة 197 ألف توقيع موثق على منصة change.org – في رقم لا يزال يرتفع – يعود السؤال بإلحاح: لماذا تُصرّ الحكومة على تجاهل هذا الرفض المجتمعي المتنامي؟ وهل يتعلق الأمر فعلا بقرار اقتصادي مدروس، أم بقصور في إدارة النقاش العمومي؟

 المبرر الاقتصادي تحت المجهر

تستند الحكومة، منذ إصدار المرسوم رقم 2.18.855 سنة 2018، إلى مبررات اقتصادية، أبرزها تقليص استهلاك الطاقة وتحسين التوافق الزمني مع الشركاء الدوليين، خصوصا الاتحاد الأوروبي. وفق معطيات رسمية صادرة عن وزارة الانتقال الطاقي، فإن اعتماد الساعة الإضافية مكّن من تحقيق وفر في استهلاك الكهرباء يُقدَّر بين 0.3% و0.5% سنويا، أي ما يعادل تقريبا 60 إلى 80 جيغاواط/ساعة، وهو ما يمثل توفيرا ماليا يتراوح بين 50 و70 مليون درهم سنويا.

غير أن تقريرا للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي صادر سنة 2022 أشار صراحة إلى أن فوائد التوقيت الصيفي في توفير الطاقة باتت “هامشية”، وهو حكم رسمي يُفكك المبرر الحكومي الأساسي من الداخل. يطرح هذا التناقض إشكاليتين جوهريتين: فحجم التوفير يبقى محدودا مقارنة بإجمالي الاستهلاك الوطني للكهرباء الذي يفوق 40 ألف جيغاواط/ساعة سنويا، فضلا عن غياب أي دراسات رسمية منشورة تقيس بدقة الكلفة الاجتماعية والنفسية لهذا القرار، ما يجعل المقارنة بين “الربح الاقتصادي” و”الخسارة المجتمعية” منقوصة منهجيا.

 الكلفة الخفية: مجتمع يعيش خارج ساعته البيولوجية

في المقابل، تتراكم مؤشرات مقلقة على المستوى الصحي والاجتماعي. دراسة نشرتها مجلة BMJ الطبية الدولية كشفت أن التوقيت الصيفي الدائم يشكل خطرا حقيقيا على الصحة العامة، بسبب تأثيره المباشر على الساعة البيولوجية واضطراب النوم. وعلى المستوى الوطني، تشير دراسات أكاديمية متعددة إلى أن هذا التوقيت يُفضي إلى:

  • اضطراب الساعة البيولوجية لدى الأطفال والمراهقين
  • تراجع جودة النوم وتصاعد مستويات الإرهاق اليومي
  • صعوبات في التركيز والتحصيل الدراسي
  • ارتفاع نسبي في حوادث السير خلال ساعات الصباح الباكر في فترات الظلام

ليست هذه مجرد شكاوى فردية، بل أعراض مجتمعية موثقة لسياسة عمومية تُهمل البُعد الإنساني في حساباتها. والمفارقة أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ذاته شدد مرارا على ضرورة إدماج البُعد الاجتماعي في اتخاذ القرار الاقتصادي، وهو ما يبدو غائبا تماما في هذا الملف، حيث يُختزل النقاش في منطق الأرقام الطاقية فقط.

 197 ألف توقيع رقمي في مواجهة صمت الدولة

الدستور المغربي لسنة 2011 لم يكتف بإعلان مبادئ الديمقراطية، بل كرّس في فصليه 14 و15 حقا دستوريا صريحا للمواطنين في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية. وجاء القانون التنظيمي رقم 44.14 الصادر سنة 2016 ليجسّد هذا الحق على أرض الواقع، غير أن المادة السادسة منه اشترطت لقبول أي عريضة توقيع 5000 مواطن كحد أدنى. وقد وصف المجلس الوطني لحقوق الإنسان وعدد من الفاعلين الحقوقيين هذا الشرط بالمبالغة وعدم الواقعية.

والمفارقة الصارخة أن عريضة رفض الساعة الإضافية تجاوزت هذا الحد الأدنى بأكثر من تسعة وثلاثين ضعفا، إذ ناهزت 197 ألف توقيع موثق -إلى تاريخ 23 مارس صباحا- تُؤكد منصة change.org أنها صادرة عن أشخاص حقيقيين. رقم لا يُمثّل حشدا رقميا عابرا، بل يختبر عمليا ما إذا كانت الديمقراطية التشاركية المنصوص عليها دستوريا حقا فاعلا أم مجرد زينة نصية. وحين يستوفي المواطنون كل الشروط القانونية ويتجاوزونها بأضعاف مضاعفة، ثم لا يجدون من يُجيب، فإن الأزمة تتجاوز ملف الساعة لتطرح سؤالا أعمق: ما الجدوى من آليات التشاركية إن ظلت واجهة شكلية بلا أثر؟

ثمة إشكال إضافي يكشفه هذا الملف: القانون التنظيمي رقم 44.14 يشترط للعريضة الرسمية مسطرة إدارية محددة، من بينها التوقيع الورقي المرفق بنسخة من بطاقة التعريف الوطنية. في المقابل، جيل اليوم يتعامل مع العالم عبر المنصات الرقمية، ويُعبّر عن رأيه بالأدوات التي يعرفها. هذه الفجوة بين اشتراطات القانون وممارسات العصر ليست مجرد تفصيل إجرائي، بل تعكس تأخرا تشريعيا حقيقيا: دولة تطالب مواطنيها بالمشاركة الديمقراطية، لكنها لم تُحدّث بعد الأطر القانونية لاستيعاب تلك المشاركة في شكلها الرقمي المعاصر.

 بين الزمن الاقتصادي والزمن الاجتماعي

الإشكال الجوهري في ملف الساعة الإضافية ليس تقنيا بالأساس، بل فلسفي وسياسي في آن معا: هل يقاس الزمن بمنطق السوق فقط، أم بمنطق الإنسان أيضا؟ قد يكون من المشروع السعي إلى تحسين التنافسية الاقتصادية، لكن ليس على حساب التوازن الاجتماعي والنفسي للمواطن. فالسياسات العمومية الناجحة هي تلك التي تصنع توازنا حقيقيا بين الكلفة والمنفعة، بين الاقتصاد والإنسان، بين القرار والقبول المجتمعي.

 خلاصة: الساعة كمرآة للحكامة

تحوّلت الساعة الإضافية في المغرب إلى أكثر من مجرد توقيت رسمي؛ أصبحت مرآة تعكس طريقة صناعة القرار العمومي وجودة الإنصات الحكومي. وحين تتسع الهوة بين الأرقام الرسمية وإحساس المواطن، فإن الأزمة لا تكون في “الساعة” بقدر ما تكون في “الثقة”.

إن إعادة فتح هذا الملف اليوم لم تعد خيارا سياسيا ثانويا، بل ضرورة ديمقراطية، لأن الزمن، في النهاية، ليس مجرد عقارب تدور، بل إحساس جماعي بالعدالة والإنصات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى