فواصل

سيرة القلب في مقامات الرضا واليقين..

من خواطر ليل طويل..

 

فواصل –

حسن اليوسفي المغاري –

 

في هدأة السَّحَر، حين يخفُّ وقعُ العالم وتنسحبُ الأصواتُ إلى ظلالها، يبقى القلبُ وحده في ساحة اللقاء. هناك، حيث لا شاهد إلا الله، يتعلّم السالك أن الصمت ليس فراغا، بل امتلاء؛ ليس هروبا من القول، بل عودة إلى الأصل «إذا أراد الله أن يُسمعك كلامه، أسمعك صوت الصمت» (الشاذلي). فكم من صمت كان أبلغ من خطبة، وكم من سكوت كان صلاة لا تُؤدَّى إلا بالقلب.

الصمت، في ميزان العارفين، ليس رضا عن الظلم ولا خضوعا للوجع، بل مقام من مقامات الفهم. هو الجرح حين يستحي أن ينطق، وهو الحكمة حين ترى أن الكلام قد يحجب ما لا يُرى إلا بالسكينة «السكون عند جريان الأقدار علامة المعرفة» (الجنيد البغدادي). فمن عرف ربَّه، لم يُخاصم القضاء بالصوت العالي، بل صافحه بالرضا، وترك للدمع أن يكون رسول قلبه.

وأما البلاء، فليس نقيض الرحمة كما يظن أهل السطح، بل هو رحمها الخفي. به يُربَّى القلب، ويُهذَّب السر، وتُمحَّص النية «ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك» (ابن عطاء الله السكندري). فالمنع في ظاهره قسوة، وفي باطنه عناية؛ نارٌ تُشعلها المحبة ليصفو الذهب، لا ليحترق.

وتأخُّر الرزق، يا صاحبي، ليس غفلة من الكريم، ولا بُخلا من الغني، بل حكمة العارف بأحوال عباده «من لم يصبر على تأخير الرزق، لم يشكر عند حضوره» (التستري). فكل شيء عنده بمقدار، وكل عطاء له ميقات، وما كان لك سيأتيك في الوقت الذي يُصلحك، لا في الوقت الذي تشتهيه.

سيرة القلب في مقامات الرضا واليقين..
سيرة القلب في مقامات الرضا واليقين..

واعلم أن القوة ليست في القبضة، بل في البصيرة؛ ليست في ارتفاع الصوت، بل في انخفاض النفس. الغني من استغنى بالله، والفقير من افتقر إلى ما سواه، فالغنى غنى القلب، والفقر فقر النفس. ومن عمر قلبه بالذكر، عاش في سعة ولو ضاقت به الأرض، ومن علّق روحه بزائل، عاش في فقر ولو ملك الكنوز.

فلا تحاكم صمت الناس، فقد يكون دعاء لا تسمعه، ولا تجزع من طريقك، فقد يكون أقرب الطرق وإن بدا أطولها. الطريق إلى الله ليس مفروشا بالتصفيق، بل بالصدق؛ لا يُضاء بالمظاهر، بل بنور اليقين «علامة المحبة لله: الرضا بقضائه، والصبر على بلائه» (ذو النون المصري).

وفي ختام السير، تذكّر: لستَ ضعيفا ما دُمتَ موصولا بالقويّ، ولستَ محروما ما دمت في كنف الكريم. فليكن صمتك ذكرا، ووجعك باباً، وانتظارك عبادة.

سِرْ إلى الله بقلب هادئ، فإن من عرَفَهُ، سكن، ومن سكن، وصل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى