فواصل

فنزويلا في مرمى القوة: حين يتقدّم النفط وتتراجع السيادة

قراءة جيوستراتيجية في منطق الاستهداف الأمريكي

فواصل –

حسن اليوسفي المغاري –

نُشر على صفحات يومية “بيان اليوم” بتاريخ 13 يناير 2026

 

ليست فنزويلا دولة عابرة في الجغرافيا السياسية، ولا ملفا ظرفيا في أجندة السياسة الخارجية الأمريكية. فمنذ عقود، تعود هذه الدولة اللاتينية، مرة بعد أخرى، إلى واجهة الاهتمام الأمريكي، لا بسبب شعارات أيديولوجية أو نزوات رئاسية، بل لأن موقعها في معادلة الطاقة والنفوذ يجعلها واحدة من أكثر الدول حساسية في الحسابات الاستراتيجية الكبرى. وحين يُطرح اليوم، صراحة أو تلميحا، سيناريو توقيف رئيسها نيكولاس مادورو ومحاكمته، فإننا نكون أمام لحظة كاشفة لطبيعة النظام الدولي، أكثر مما نكون أمام خلاف سياسي تقليدي.

النفط: نقطة البدء لا نقطة النهاية

قد يخطئ من يختزل الصراع الأمريكي–الفنزويلي في البرميل وحده، لكنه يخطئ أكثر من يتجاهل أن النفط هو المفتاح الذي تُفتح به كل الأبواب الأخرى.

فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وهو احتياطي لا يُقاس فقط بحجمه، بل بقيمته الزمنية: نفط ثقيل، طويل الأمد، قابل لأن يكون ورقة استراتيجية لعقود مقبلة، خصوصا في عالم لم ينجح بعد في الفكاك الكامل من الوقود الأحفوري.

غير أن المسألة لا تتعلق بحاجة واشنطن الفورية للنفط الفنزويلي، بقدر ما تتعلق بمن يتحكم فيه، ولأي غاية، وتحت أي مظلة سياسية. فالثروة حين تكون في يد نظام مناوئ، تصبح تهديدا محتملا، لا مجرد مورد اقتصادي.

الجغرافيا السياسية: القرب الذي يضاعف القلق

العامل الثاني الذي يمنح فنزويلا هذه الحساسية الاستثنائية هو الجغرافيا. نحن لا نتحدث عن دولة بعيدة في الشرق الأوسط أو آسيا الوسطى، بل عن بلد يقع على تخوم المجال الحيوي الأمريكي. قرب فنزويلا من السوق الأمريكية يقلّص زمن الإمداد، ويجعل أي اضطراب فيها مؤثرا فوريا على الأمن الطاقي، لكنه في الوقت ذاته يجعل أي تقارب فنزويلي مع قوى دولية منافسة – روسيا أو الصين تحديدا – مصدر قلق استراتيجي مضاعف.

بهذا المعنى، لا تُقرأ فنزويلا كدولة ذات سيادة كاملة في المخيال الجيوسياسي الأمريكي، بل كجزء من “الحديقة الخلفية” التي يُفترض أن تظل منضبطة لإيقاع واشنطن.

من الاقتصاد إلى الأمن: متى ولماذا يتحول الشريك إلى خصم؟

على امتداد عقود، تشكّلت العلاقة بين الولايات المتحدة وفنزويلا داخل منطق براغماتي صِرف، قوامه تبادل المصالح لا الانسجام السياسي. فقد مثّلت فنزويلا مورّدا نفطيا موثوقا، قريبا جغرافيا، فيما شكّلت السوق الأمريكية منفذا مستقرا لصادراتها، تدعمه شبكة من الشركات والمصافي والعقود طويلة الأمد التي كرّست نوعا من الاعتماد المتبادل القادر على امتصاص التوترات السياسية.

في هذا الإطار، لم يكن مطلوبا من النظام الفنزويلي أن يكون حليفا أيديولوجيا بقدر ما كان مطلوبا أن يكون قابلا للإدارة داخل منظومة السوق والنفوذ.

غير أن هذا النموذج بدأ يتصدع مع صعود هوغو تشافيز، لا لأن فنزويلا غيّرت موقعها في سوق الطاقة، بل لأنها أعادت تعريف موقعها السياسي داخله. فالنفط، الذي كان يُدار كسلعة اقتصادية، أُعيد توظيفه كرافعة سيادية وأداة تفاوض سياسي، وهو ما مثّل في المنظور الأمريكي انتقالا من شريك يمكن احتواؤه إلى فاعل يسعى إلى توسيع هامش استقلاله. ومع ترسّخ هذا الخيار في عهد نيكولاس مادورو، لم يعد الخلاف يدور حول الأسعار أو العقود، بل حول من يملك قرار توظيف الثروة، ولأي مشروع سياسي.

عند هذه النقطة، تغيّرت طبيعة الصراع جذريا. لم تعد السوق قادرة على ضبط العلاقة، فتحوّلت الطاقة من مجال للتبادل إلى ساحة مواجهة. تبع ذلك انتقال منهجي في أدوات التعامل: من الضغط التجاري إلى العقوبات الاقتصادية، ومن التفاوض المباشر إلى العزل الدبلوماسي، ومن الخلاف السياسي التقليدي إلى التجريم القانوني. بهذا التحول، دخلت العلاقة مرحلة ” الأمننة Sécuritisation “، حيث لم يعد يُنظر إلى النفط كمسألة اقتصادية، بل كعنصر تهديد محتمل للأمن القومي، ما يبرّر – في المنطق الاستراتيجي – توسيع نطاق التدخل وتكثيف أدوات الإكراه.

استهداف مادورو: الشخصنة كأداة استراتيجية

التركيز على نيكولاس مادورو ليس تفصيلا. في العقيدة الأمريكية، استهداف رأس النظام أسهل وأقل كلفة من تفكيك الدولة. تحويل الرئيس إلى “متهم دولي” يخدم ثلاث غايات متداخلة:

أولا، نزع الشرعية السياسية والأخلاقية عن النظام دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر.

ثانيا، تفكيك الجبهة الداخلية عبر خلق حالة شك وانقسام.

ثالثا، إعداد المسرح لبديل سياسي يُقدَّم بوصفه “منقذا” أو “خيارا انتقاليا”.

بهذا المعنى، يصبح القانون أداة سياسية، لا إطارا محايدا، ويُستدعى الخطاب الحقوقي لتغطية منطق القوة.

السيادة تحت الاختبار: أي قانون يحكم العالم؟

حين يُطرح سيناريو توقيف رئيس دولة بالقوة أو بمحاكمة عابرة للحدود، فإننا نكون أمام سؤال جوهري: هل ما زالت السيادة مبدأ حاكما في النظام الدولي، أم مجرد شعار انتقائي؟

الواقع أن النظام الدولي، كما تشكّل بعد الحرب الباردة، لم يُلغِ منطق القوة، بل أعاد تغليفه. الدول الكبرى لا تنتهك القانون لأنها خارجة عنه، بل لأنها تملك القدرة على تعريفه وتفسيره وتجميده عند الحاجة. في المقابل، تُطالَب الدول الأضعف بالامتثال الصارم لقواعد لم تشارك فعليا في صياغتها.

هنا يتجلى ما يمكن تسميته بـ”قانون الغاب المقنّع”: حيث لا يُلغى القانون، بل يُوظَّف لخدمة ميزان القوة.

سؤال التوقيت: لماذا الآن؟

التصعيد ضد فنزويلا لا يأتي في فراغ. نحن في لحظة إعادة تشكّل للنظام الدولي:

– اضطراب في أسواق الطاقة.

– تراجع الهيمنة الأمريكية المطلقة.

– صعود قوى منافسة تبحث عن موطئ قدم في مناطق النفوذ التقليدية.

في هذا السياق، تصبح فنزويلا ساحة اختبار: هل ما زالت واشنطن قادرة على فرض خطوطها الحمراء في أمريكا اللاتينية؟ وهل يمكن السماح بتحول دولة نفطية قريبة إلى قاعدة نفوذ لقوى منافسة؟

المخاطر المحتملة: حين تنقلب الحسابات الاستراتيجية

أي انتقال من منطق العقوبات والضغط غير المباشر إلى المسّ المباشر برأس الدولة لا يُعد تصعيدا تقنيا فحسب، بل مغامرة استراتيجية عالية الكلفة. فالتجربة التاريخية القريبة تُظهر أن إسقاط القيادة لا يوازي تلقائيا بناء الدولة، بل غالبا ما يؤدي إلى تفكيك توازنات قائمة – مهما كانت هشّة – دون امتلاك بديل قادر على ملء الفراغ. في هذه الحالات، لا تنتج السلطة الجديدة استقرارا، بل تفتح المجال أمام فوضى ممتدة، وصراعات داخلية متعددة المستويات، وتدويل سريع للأزمة، حيث تتحول الدولة إلى ساحة صراع بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية.

الأخطر من ذلك أن استهداف رأس الدولة، خصوصا عبر أدوات قانونية أو أمنية عابرة للحدود، كثيرا ما يؤدي إلى نتيجة عكسية: إعادة إنتاج الشرعية السياسية للقيادة المستهدفة عبر تحويلها إلى رمز للمواجهة مع الخارج. فبدل تفكيك قاعدة الدعم الداخلي، يُعاد توحيدها حول خطاب السيادة والكرامة الوطنية، وهو ما أثبتته تجارب عديدة حيث خرج القادة المستهدفون أكثر صلابة مما دخلوا لحظة الاستهداف.

وعلى مستوى أعمق، فإن تكريس سابقة توقيف أو محاكمة رؤساء دول بالقوة لا يهدد دولة بعينها فقط، بل يُحدث اختلالا بنيويا في النظام الدولي نفسه. إذ يتحول القانون الدولي من إطار ناظم للعلاقات بين الدول إلى أداة انتقائية تُفَعَّل ضد الضعفاء وتُعطَّل أمام الأقوياء. في مثل هذا السياق، تصبح الحصانة الرئاسية مفهوما هشّا، وتغدو السيادة مشروطة، ويصبح كل رئيس دولة خارج دائرة التحالفات الكبرى معرضا للاستهداف، لا بسبب خرق قانوني ثابت، بل بسبب تعارض خياراته السياسية مع مصالح مراكز القوة العالمية.

بهذا المعنى، لا تنقلب الحسابات فقط ضد الدولة المستهدفة، بل ضد الاستقرار الدولي ذاته، حيث يُفتح الباب أمام عالم أكثر فوضوية، أقل قابلية للتنبؤ، وأشد خضوعا لمنطق القوة بدل منطق القانون.

فنزويلا كمرآة للنظام الدولي..

من الكاريبي إلى الشرق الأوسط وعواصم “الربيع العربي”

إذا كان من درس مركزي يمكن استخلاصه من العقدين الأخيرين، فهو أن فنزويلا لا تواجه مصيرا معزولا، بل تقف داخل سلسلة متصلة من الحالات التي اختبرت فيها الولايات المتحدة حدود القوة وإدارة التغيير السياسي من الخارج.

هنا، تفرض تجربة ما سُمّي بــ”الربيع العربي” نفسها كمرجع مقارن لا غنى عنه، ليس من باب التشابه السطحي، بل من حيث منهج التدخل ونتائجه البنيوية.

خلال تلك المرحلة، لم يكن سقوط عدد من رؤساء الأنظمة العربية نتيجة حراك داخلي صرف، بقدر ما كان ثمرة تفاعل معقّد بين احتجاجات مشروعة، وتدخلات خارجية أعادت توجيه المسارات.

في العراق، سبق “الربيع” نموذج التدخل الكامل: إسقاط النظام بالقوة، تفكيك الدولة، ثم محاولة بناء نظام جديد موالٍ، انتهت إلى دولة هشّة، منقسمة، ومنزوعة السيادة الفعلية.

في ليبيا، تكرّر السيناريو بشكل أكثر فوضوية: تدخل عسكري تحت غطاء حماية المدنيين، إسقاط رأس النظام، ثم انسحاب سياسي ترك البلاد رهينة الميليشيات والتجاذبات الدولية.

أما في مصر، فقد اتخذ التدخل شكلا أكثر نعومة: قبول بسقوط نظام، ثم دعم سريع لإعادة إنتاج السلطة بما يضمن استقراراً وظيفياً لا ديمقراطية فعلية.

في سوريا ولبنان، اختارت واشنطن مساراً مختلفا: إدارة الصراع بدل حسمه. وفي سوريا، جرى استنزاف الدولة والمجتمع عبر حرب طويلة متعددة الأطراف، دون إسقاط النظام، لكن مع إنهاك بنيته وتحويله إلى ملف دولي دائم. وفي لبنان، تمّ اعتماد سياسة الضغط غير المباشر: عقوبات، حصار مالي، واستخدام الانقسام الداخلي كأداة ضبط سياسي، بما يضمن بقاء البلد في حالة توازن هشّ، بلا قدرة على اتخاذ قرار سيادي مستقل. أما تونس، التي قُدّمت طويلا كنموذج “انتقال ديمقراطي”، فقد انتهت إلى أزمة مركّبة، كشفت حدود الرهان على تغيير سياسي غير مدعوم بسيادة اقتصادية واستقلال قرار.

ما يجمع هذه الحالات ليس النجاح في بناء أنظمة يُقال عنها إنها “ديمقراطية مستقرة”، بل القدرة على منع تشكّل أنظمة مستقلة القرار. فالتدخل الأمريكي لم يكن موجها لإسقاط الاستبداد بقدر ما كان يهدف إلى إعادة ترتيب المجال السياسي بما يضمن أن تبقى السلطة – مهما تغيّرت الوجوه – منسجمة مع المصالح الاستراتيجية الكبرى: الطاقة، الأمن، ومنع بروز قوى إقليمية غير منضبطة.

بهذا المعنى، تصبح فنزويلا امتدادا لهذا المنطق، لا استثناء عنه. استهداف القيادة، تجريم الرئيس، التلويح بالمحاكمة أو التوقيف، كلها أدوات جُرّبت سابقا في الشرق الأوسط، وأثبتت أنها لا تُنتج استقرارا ولا ديمقراطية، بل دولا ضعيفة، مجتمعات منقسمة، وأنظمة “وظيفية” تعيش على الدعم الخارجي أكثر مما تستمد شرعيتها من الداخل.

فنزويلا، إذن، ليست مجرد مرآة للنظام الدولي، بل تحذير إضافي: في عالم تحكمه موازين القوة، يُعاد تدوير خطاب القانون وحقوق الإنسان لتبرير التدخل، بينما يُهمَّش السؤال الجوهري: من يملك القرار؟  ولصالح من يُعاد تشكيل الدول؟

وهو السؤال ذاته الذي ما زالت شعوب الشرق الأوسط تدفع ثمن تجاهله حتى اليوم.

خلاصة لابدّ منها..

تكشف هذه المقارنة أن النظام الدولي لا يعاقب الأنظمة على استبدادها بقدر ما يعاقبها على استقلال قرارها. فالاستبداد المقبول هو ذاك الذي يخدم التوازنات المطلوبة، أما الاستقلال غير المنضبط فهو الخطر الحقيقي.

من هنا، تصبح فنزويلا مرآة تعكس واقعا دوليا مأزوما، حيث تُقاس السيادة بمدى توافقها مع مصالح الأقوياء، وحيث يتحول القانون إلى أداة انتقائية، لا مرجعية جامعة.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بفنزويلا وحدها، ولا بمادورو كشخص، تماما كما لم يكن في الشرق الأوسط يتعلق بأسماء بعينها. المسألة أعمق: إنها تتصل بنظام دولي يعيد إنتاج نفسه عبر منطق القوة، ويستبدل قانون الغاب الصريح بقانون أكثر نعومة… لكنه لا يقل عنه قسوة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى