“محنة ابن اللسان” للدكتور جمال بندحمان: لغة عميقة واستعارات مكثفة

“محنة ابن اللسان” للدكتور جمال بندحمان: لغة عميقة واستعارات مكثفة
حسن اليوسفي المغاري
رواية “محنة ابن اللسان “، ومن خلال القراءة التأويلية للعنوان، الغلاف، والسياق العام الذي يعكسه اختيار المفردات، بالإضافة إلى الخلفيات الأدبية والفكرية التي يرتبط بها العمل.(*)
أولا: تحليل العنوان
– “محنة” تشير إلى اختبار أو معاناة، بينما “ابن اللسان” يدل على شخص مرتبط بالكلمة، مثل صحافي، أستاذ، كاتب، مفكر، محامي…
– العنوان يوحي بصراع: – بين اللغة والسلطة، وبين – الفرد والمجتمع
ثانيا: تحليل الغلاف البصري
– يظهر فيه وجه بشري أو (قناع)، وأوراق مبعثرة، ما يعكس “صراع الكلمة مع القمع”.
– الألوان والخطوط الفنية توحي بأجواء مشحونة بالتوتر والبحث عن الحقيقة.
الغلاف هو لوحة “La Parole empêchée” -الكلمة المقيّدة- .. عمل فني مشترك بين كاثرين ميلكيو (رسم) وجان بيير رولان (نحت)، تم تثبيته عام 2004 في النصب التذكاري “الهوغونوتي”.
يستكشف هذه الإبداع الفني موضوع تقييد الكلمة، حيث تسلط الضوء على عناصر فنية تجسد الصمت القسري، والرقابة، واستحالة التعبير بحرية.
(يُعد النصب التذكاري للهوجونوت موقعا تذكاريا يكرّم البروتستانت المضطهدين في فرنسا، ولا سيما خلال الحروب الدينية وإلغاء مرسوم نانت عام 1685. تم تثبيته داخل زنزانة قديمة في جزيرة سانت مارغريت قبالة سواحل كان عام 1950.)
يمكن اعتبار غلاف “محنة ابن اللسان”، أنه يندرج في تأمل أوسع حول القيود المفروضة على حرية التعبير عبر التاريخ، سواء كانت ذات طابع سياسي، ديني، أو اجتماعي. ومن خلال تقنيات فنية جمعت بين الرسم والنحت، فقد جسد الفنانان التوتر القائم بين التعبير والمنع، وبين الخطاب وطمس الهوية.

ثالثا: الإطار الأدبي والفكري للكاتب
– الدكتور جمال بندحمان باحث وأكاديمي، أستاذ أعرفة ذو حمولة ثقافية أدبية بأبعاد تحليلية، باحث في السيميائيات وتحليل الخطاب، ما يجعل من روايته أن تكون ذات بعد فكري حواري مجتمعي.
– بالنظر إلى اهتمامه بالنقد الأدبي، فإن النص الذي بأيدينا حافل بالتأملات حول دور الكلمة في تشكيل الوعي.
في روايته “محنة ابن اللسان”، ينسج الكاتب جمال بندحمان عالَما سَرديا متشابكا، تتداخل فيه اللغة بالتاريخ، والهوية بالمحن، حيث يصبح اللسان -بما يحمله من دلالات سياسية تجمع بين التعبير والسلطة-.
فمنذ العنوان، يضعنا الكاتب أمام إشكالية محورية: هل المحنة التي تواجه الإنسان هي محنة لغته، أم أن اللغة ذاتها تتحول إلى محنة لصاحبها؟ هذه الثنائية تكشف عن صراع أزلي بين الكلمة والسلطة، بين حرية التعبير والقمع، حيث يجد البطل نفسه في مواجهة تاريخية معقدة، تنعكس في تفاصيل السرد، وتتشكل عبر شخصيات تحمل أعباء الماضي والحاضر معاً.
تعتمد الرواية على لغة عميقة واستعارات مكثفة، تجعل من النص رحلة تأملية في علاقة الإنسان بالكلمة، بأسلوب يمزج بين السرد الفلسفي والتشويق الدرامي بين الشخصيات. كما أن الحضور البصري في الوصف والتفاعل مع الرموز الثقافية والتاريخية يمنح القارئ إحساسا بأنه يعيش داخل النص، مشاركا في معاناة “ابن اللسان” وتقلباته.
“محنة ابن اللسان” ليست مجرد رواية تُقرأ، بل هي تجربة فكرية تدفع القارئ إلى مساءلة الواقع، وإعادة التفكير في الدور الذي تلعبه اللغة في تشكيل وعيه ومصيره. وهي بذلك تندرج ضمن الأعمال السردية التي لا تكتفي بالحكي، بل تطرح قضايا وجودية وسياسية بأسلوب فني متقن.
1- الحوارات:
جدل الفكر واللغة: تتميز الرواية بحوارات ذات طابع فلسفي وتاريخي، حيث تتداخل الأصوات السردية لتكشف عن أزمة اللغة بوصفها أداة تواصل وسلاحاً في مواجهة السلطة. نجد أن الشخصيات تتجادل فيما بينها حول معنى الكلمات، دلالاتها، ومدى قدرتها على التعبير عن الحقيقة.
هذا النوع من الحوارات يعكس مأزق البطل الذي يجد نفسه ممزقاً بين الحاجة إلى النطق والخوف من العواقب، بين الحقيقة والرقابة.
2- الوصف السردي:
تصوير المشهد عبر اللغة: تتجلى قدرة الكاتب في رسم المشاهد عبر وصف يقترب من التصوير السينمائي، حيث ينقل القارئ إلى عوالم تحكمها تفاصيل دقيقة ترمز إلى أبعاد أعمق.
3- التأملات الفلسفية:
البحث عن المعنى: تقدم الرواية تأملات فلسفية تجعل من اللغة كائنا حيا، متغيرا، يخضع لمتطلبات الزمن والسلطة والمجتمع.
خاتمة
من خلال هذه العناصر الثلاثة -الحوارات، الوصف السردي، والتأملات الفلسفية-، تنحت “محنة ابن اللسان” عالما سرديا متشابكا، يعكس صراع الإنسان مع كلمته، في مواجهة قوى القمع والصمت.
هذه الرواية ليست مجرد حكاية، مُهداة إلى “عاشقة الحكي الراقي، والكلام النبيل، المتيّمة برواة الموقف..”
بل هي مرآة تعكس أسئلة كبرى حول الحرية، السلطة، والوجود داخل اللغة.
رحم الله السيدة “لعشير مليكة” التي من أجلها حكى بندحمان “سيرة سياق عاشاه بألم، بحبور.”
(*) .. سعدت يوم السبت 8 فبراير 2025، بحضور لقاء ثقافي، بالمكتبة الوسائطية التاشفيني بمدينة الجديدة، اللقاء الموسوم ب”قهوة وكتاب”، حول رواية “محنة ابن اللسان”، للكاتب الصديق العزيز، الدكتور جمال بندحمان، الذي أقدم له هذه الورقة المتواضعة حول قراءتي لروايته التي فصّل فيها ثلة من الأساتذة المتخصصين في النقد الروائي.
– ذ. عبد الفتاح الفاقيد
-ذ. أحمد بلاطي
– ذ. جبران أبو مروان
– ذ. عز الدين تيسنت
– تسيير اللقاء ذ. محمد مستقيم
اللقاء كان من تنظيم المكتبة الوسائطية التاشفيني تحت إشراف المديرية الإقليمية للثقافة بالجديدة وبتعاون مع صالون مازغان للثقافة والفن وجمعية أصدقاء مكتبة التاشفيني.