مشروع القانون 09.26.. تشريع يُقصي ذاكرة الصحافة باسم التنظيم

فواصل –
ليس أخطر على مهنة من أن يعاد تنظيمها بمنطق إداري بارد، يختزلها في وثيقة رسمية، ويجردها من عمقها الإنساني والتاريخي. هذا بالضبط ما يلوح في الأفق مع مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة: نص يبدو متماسكا في شكله، لكنه يحمل في جوهره إقصاء صامتا لفئة صنعت هذه المهنة، قبل أن تقصى منها بهدوء مريب.. فئة الصحافيين الشرفيين.
لا، المشروع لا يقول صراحة إن هؤلاء لا مكان لهم. لكنه يفعل ما هو أخطر: يتجاهلهم بالكامل. وفي التشريع، التجاهل ليس حيادا، بل موقف. بل هو أحيانا أقسى من الإقصاء المعلن، لأنه يتم دون مساءلة، ودون حتى إحراج سياسي.
كيف يمكن لنص يُفترض أنه ينظم المهنة أن يعترف بمقاعد مضمونة لغير الصحافيين- قضاة، حقوقيون، اقتصاديون- ثم لا يجد سطرا واحدا لصحافي أفنى أربعين سنة في الميدان؟ كيف يستقيم أن يُمنح حق التأثير في أخلاقيات الصحافة لمن لم يكتب يوما خبرا تحت ضغط السبق، أو افتتاحية تحت سقف الرقابة، بينما يُقصى من عاش كل ذلك، وتشرّب تعقيداته، وراكم حكمته؟
هذا ليس خللا تقنيا. إنه اختلال في فهم المهنة نفسها.
المشروع يختار أن يُعرّف الصحافي بما يحمله في جيبه: بطاقة مهنية سارية. معيار سهل، نظيف، قابل للقياس، لكنه فقير إلى حد الفجاجة. لأنه يتجاهل سؤالا بسيطا: ماذا عمّن حمل هذه البطاقة لعقود، ثم وضعها بعد مسار طويل؟ هل يصبح فجأة خارج المهنة؟ هل تتحول خبرته إلى عبء غير مرئي؟ أم إلى ذاكرة مزعجة يفضل التشريع تجاهلها؟
بهذا المنطق، يصبح الصحافي حديث العهد بالمهنة – بمجرد حصوله على البطاقة – أكثر “شرعية” من صحافي راكمَ تجربة عمر كامل. إنها مفارقة لا يمكن تبريرها إلا بعقلية بيروقراطية لا ترى في المهنة سوى ما يمكن أرشفته.
لكن الصحافة ليست أرشيفا.. إنها ذاكرة حية.
الصحافي الشرفي ليس مجرد متقاعد.. إنه شاهد على تحولات المهنة، على انكساراتها، على لحظات شرفها، وعلى انزلاقاتها أيضا. يعرف ما لا يكتب في القوانين، ولا يُدرّس في المعاهد: كيف تمارس الضغوط، كيف تصنع التنازلات، وكيف تبنى – أو تُهدم – أخلاقيات المهنة في التفاصيل الصغيرة.
الأخطر من ذلك، أن هذا الصحافي الشرفي هو الوحيد -تقريبا- الذي يملك ترف الاستقلال. لا يخشى فقدان عمل، ولا ينتظر ترقية، ولا يفاوض على موقع. صوته، حين يُسمع، يكون أقرب إلى ضمير مهني خالص، لا إلى حسابات ظرفية.
فأي منطق هذا الذي يُقصي الاستقلال ويكافئ التبعية؟
وأي تنظيم ذاتي هذا الذي يُغلق الباب أمام الذاكرة، ويفتحه أمام من هم خارج المهنة أصلا؟
ثم ماذا عن المجلس نفسه؟ كيف سيتعامل مع قضايا أخلاقية معقدة، لا تحسم بنصوص جامدة، بل بخبرة متراكمة؟ هل سيكفيه القانون وحده ليقرر متى يتحول الرأي إلى تشهير؟ أو متى يصبح السبق خرقا للمسؤولية المهنية؟ هذه أسئلة لا يجيب عنها النص، بل يجيب عنها من عاش المهنة من الداخل.
المفارقة أن المشروع، وهو يسعى إلى “تنظيم” المهنة، يُفرغها من أحد أهم عناصر توازنها: الذاكرة النقدية. كأننا أمام محاولة لبناء مؤسسة تنظر إلى الحاضر فقط، بلا عمق، بلا سياق، بلا جذور.
ولنكن واضحين: إدماج الصحافيين الشرفيين لا يحتاج ثورة تشريعية. لا يتطلب إعادة كتابة القانون. يكفي سطر واحد. سطر يعترف بوجودهم، يفتح لهم نافذة -تمثيلية أو استشارية- داخل المجلس. لكن هذا السطر لم يُكتب.
وهنا تكمن المشكلة: ليس في صعوبة الحل، بل في غياب الإرادة للاعتراف.
إن مهنة لا تكرم من صنعوا تاريخها، تنتج جيلا بلا ذاكرة. ومجلس لا يحتضن خبرة من عاشوا المهنة، سيجد نفسه عاجزا عن فهمها حين تتعقد.
اليوم، الكرة في ملعب المؤسسة التشريعية. أمامها خياران لا ثالث لهما: إما أن تمرر نصا “نظيفا” من حيث الشكل، لكنه ناقص من حيث الروح..
أو أن تتدارك هذا الصمت، وتعيد إدماج الذاكرة في قلب التنظيم.
لأن السؤال الحقيقي ليس: هل يستحق الصحافي الشرفي مكانا؟
بل: هل تستطيع المهنة أن تستغني عنه؟
إذا كان الجواب صادقا، فالتعديل ليس ترفا، بل ضرورة.