
كيف يُعاد تشكيل الانحطاط الإعلامي في المغرب؟
تقديم لابدّ منه..
لم يعد الجدل حول واقع الصحافة في المغرب اليوم نقاشا نخبويا يهم المهنيين وحدهم، بل أصبح سؤالا مجتمعيا يرتبط بجودة النقاش العمومي، وبحدود الحرية، وبوظيفة الإعلام داخل الدولة. ففي مقابل صحافة مهنية ما تزال تقاوم من أجل الاستقلال والالتزام بأخلاقيات المهنة، برزت ممارسات إعلامية هجينة تُقدَّم تحت مسميات متعددة، لكنها في جوهرها تُفرغ العمل الصحافي من معناه.
ما يُعرف شعبيا بـ“صحافة كاري حنكو” هو أحد أخطر تجليات هذا التحول، حيث تتحول بعض المنابر إلى أدوات تملّق وتشهير، تُهاجم المعارضين، وتُزيّف الوقائع، وتشتغل خارج أي منطق مهني، في ظل صمت أو تسامح يطرح أكثر من علامة استفهام حول دور الدولة وحدود مسؤوليتها.
-
مشهد إعلامي ينزاح عن وظيفته الأصلية..
يشهد المشهد الإعلامي المغربي، منذ سنوات، تحوّلا مقلقا في جزء من ممارساته، حيث لم تعد الصحافة، لدى بعض المنابر، تقوم بوظيفتها الأساسية في نقل المعلومة وتحليلها ومراقبة السلطة، بل انزلقت نحو أدوار وظيفية تخدم أجندات بعينها.
ما يُتداول شعبيا بمصطلح “صحافة كاري حنكو” لم يعد مجرد توصيف ساخر، بل أصبح مفهوما يعكس واقعا مهنيا مختلا، تُفرَّغ فيه الصحافة من استقلاليتها، ويُعاد توظيفها كأداة للدفاع غير النقدي عن السلطة، أو للهجوم على كل صوت معارض لنهج الدولة في تدبير بعض الملفات.
-
التملّق والتشهير كبديل عن العمل الصحافي..
يتجلى هذا الانحراف بشكل صارخ في اعتماد التملّق كخط تحريري، وفي تحويل الاختلاف في الرأي إلى مبرر لحملات تشهير ممنهجة. فقد عرف الرأي العام المغربي حالات متعددة جرى فيها استهداف صحافيين، وحقوقيين، وفاعلين سياسيين أو مدنيين، ليس عبر تفنيد أفكارهم أو مناقشة مواقفهم، بل عبر النيل من سمعتهم، وتوجيه النقاش نحو حياتهم الخاصة أو نواياهم المفترضة. هنا، يتحول الإعلام من فضاء للنقاش العمومي إلى ساحة لتصفية الحسابات، وتُستبدل أخلاقيات المهنة بمنطق الولاء والخدمة عند الطلب.
-
“عاهات إعلامية” وصناعة التفاهة الممنهجة..
ضمن هذا السياق، برزت ما يمكن تسميته بـ“العاهات الإعلامية”: وسائط ومنصات رقمية تُقدّم نفسها كإعلام، لكنها تشتغل خارج أي معيار مهني أو أخلاقي. هذه المنابر تخصّصت في تحريف الوقائع، ونشر الإشاعة، وتتبع المآسي الإنسانية، وانتهاك الحياة الخاصة، وترويج محتوى يقوم على الإثارة الرخيصة والتشهير. وقد شهد المغرب، خلال السنوات الأخيرة، انتشار قنوات رقمية وأشخاص يقدّمون أنفسهم كصحافيين، وهم في الواقع “صنّاع فضائح”، يبثّون مواد تمس بقرينة البراءة وبحقوق الأفراد، دون حسيب أو رقيب.
-
دعم وتسامح رسمي يُكرّسان الانحراف
الأخطر في هذا الوضع ليس وجود هذه الممارسات فقط، بل استمرارها في ظل غياب شبه تام للمساءلة، بل وأحيانا في ظل دعم مباشر أو غير مباشر، أو على الأقل تسامح رسمي غير مفهوم. ففي الوقت الذي تعاني فيه مؤسسات إعلامية جادة من التضييق الاقتصادي أو من هشاشة شروط الاستمرار، نجد منابر ضعيفة المصداقية تتوسع، وتستفيد من الإشهار العمومي أو من القرب من مراكز القرار. هذا الاختلال في ميزان الدعم لا يسيء فقط إلى المهنة، بل يكرّس نموذجا إعلاميا قائما على الرداءة والخدمة، لا على الجودة والاستقلال.

5. من “التابلويد” إلى التشهير المُوجَّه..
قد يُغري تشبيه هذا الواقع بما يُعرف عالميا بصحافة “التابلويد”، أو ما كان يُعرف داخليا ب”الصحافة الصفراء”، غير أن التجربة المغربية الحالية (التجربة الرقمية)، تتجاوز البعد التجاري للإثارة نحو ممارسة أكثر خطورة.. فنحن أمام تشهير مُوجَّه، وحملات إعلامية تُدار بهندسة دقيقة، تُستخدم فيها بعض المنابر كأدوات ضغط أو تصفية. بدل فضح الفساد أو مساءلة السياسات العمومية، يتم توظيف الإعلام لضرب المعارضين، وتوجيه الرأي العام، وإفراغ النقاش العمومي من مضمونه الحقيقي. وهو ما يُضعف الثقة في الصحافة، ويفرغ مفهوم السلطة الرابعة من معناه.
-
مسؤولية الدولة ومدخل الإصلاح الحقيقي..
إن ما تقوم به هذه الوسائط لا يمكن، بأي حال، إدراجه ضمن حرية الرأي والتعبير. فالتشهير، وانتهاك الخصوصية، والتحريض، وتزييف الوقائع، ليست حرية، بل اعتداء صريح على الحقوق والحريات. ومن ثمّ، تتحمل الدولة مسؤولية مباشرة، بحكم دورها الدستوري في حماية المجال العمومي وضمان ممارسة إعلامية مسؤولة.
أول طريق للإصلاح يبدأ بترك التنظيم الذاتي للصحافيين المهنيين أنفسهم، لا لمن تُزكّيهم جهات معيّنة للسيطرة على المجلس الوطني للصحافة عبر منطق أعلى أرقام معاملات، ونحن نعلم من هم أولئك.
التنظيم الذاتي الذي يُهيمن عليه لوبي المال والنفوذ لا يمكنه حماية أخلاقيات المهنة، بل يتحول إلى أداة ضبط وتحكّم. إن إعادة الاعتبار للصحافة تمرّ حتما عبر مجلس مهني مستقل، منتخب فعلا من الصحافيين، وربط الدعم العمومي بالمهنية، وتفعيل المساءلة دون انتقائية. دون ذلك، سيظل الانحطاط الإعلامي قائما، وستظل الحرية مُستعملة كشعار، لا كممارسة تحمي المجتمع وتخدم الحقيقة.
خلاصة القول..
إن أزمة الصحافة في المغرب لم تعد أزمة حرية فقط، بل أزمة نموذج وخيارات وتنظيم. فحين يُسمح لمنابر التشهير بأن تتحدث باسم الإعلام، وحين يُكافأ الانحراف بالدعم والتسامح، ويُحاصر العمل المهني بالهشاشة والتضييق، فإن النتيجة الطبيعية هي تفكك الثقة بين المواطن والصحافة.
إن استعادة الاعتبار لهذه المهنة تقتضي موقفا واضحا: لا للتشهير باسم الحرية، ولا للتنظيم الذاتي الصوري، ولا لهيمنة لوبيات المال والنفوذ على مؤسسات التأطير المهني. وحده إعلام مستقل، منظم ذاتيا من قبل الصحافيين المهنيين، وخاضع لمساءلة أخلاقية وقانونية عادلة، قادر على حماية الحق في التعبير، وصون كرامة الأفراد، وخدمة المصلحة العامة بدل تحويل الصحافة إلى أداة انحطاط أو ابتزاز أو تصفية حسابات.