فلسطينفواصل

يوم الأرض الفلسطيني.. ذاكرة الجذور وعهد التحرير

فواصل –

حسن اليوسفي المغاري –

 

يوم الأرض الفلسطيني.. ذاكرة الجذور وعهد التحرير

30 مارس 2026

في مثل هذا اليوم، قبل خمسين عاما، اهتزت أرض فلسطين تحت أقدام أبنائها لا تحت وطأة الغازي وحده، بل تحت زخات دم أبرياء أبوا أن يُسلّموا ما تبقى من تراب الأجداد. كان يوم 30 مارس 1976 لحظة فارقة لم تكن مجرد يوم احتجاج، بل كانت إعلانا وجوديا صارخا: نحن هنا، وهنا نبقى.

حين قررت السلطات الصهيونية مصادرة أراضي الجليل والمثلث والنقب، لم تكن تصادر حجارة وترابا، بل كانت تصادر الهوية والذاكرة والمستقبل. فثار الفلسطينيون في الداخل المحتل منذ عام 1948 ثورة جماعية منظمة، لأول مرة بهذا الحجم وبهذه الهوية الوطنية الموحدة، من الجليل إلى النقب، وسقط شهداء ستبقى أسماؤهم منقوشة في لوح الكرامة، أرواح ارتقت فداء لأرض لم يبعها أهلها يوما والأكيد أنهم لن يبيعوها.

خمسون عاما والجرح لم يندمل

نصف قرن مضى على يوم الأرض الأول، والمشهد اليوم لا يبشر بالهدوء، بل يُذكّر بأن المصادرة لم تتوقف يوما، وأن المشروع الاستيطاني الإحلالي يسير بلا تراجع. تجاوز عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس المحتلة سبعمائة ألف مستوطن، فيما يُنفّذ تهجير قسري ممنهج في القدس والنقب والجليل بذرائع تتبدل أسماؤها – تخطيط عمراني، مناطق عسكرية مغلقة، أراض دولة – والمضمون واحد: إزاحة الفلسطيني من أرضه وإحلال المستوطن مكانه.

وكأن الاحتلال لم يكتف بمصادرة الأرض، حتى مدّ يده إلى الروح. ففي الشهر الفضيل من رمضان 2026، دخل المسجد الأقصى عيد الفطر تحت إغلاق كامل فرضته سلطات الاحتلال، في مشهد لم يُعرف منذ احتلال القدس عام 1967، حيث غابت تكبيرات العيد عن باحاته لأول مرة منذ نحو ستة عقود. وامتد هذا الإغلاق المتواصل إلى ما يزيد على ثلاثين يوما، في حين تواصل سلطات الاحتلال تمديده تحت ذريعة حالة الطوارئ والحرب المستمرة، بينما يندرج ذلك ضمن سياسة ممنهجة لفرض الوقائع بالتدرج على المسجد الأقصى، تشمل تقنين الأذان واشتراط التراخيص لرفعه، وتمديد ساعات الاقتحام خلال رمضان، ومنح حاخامات الاحتلال صلاحيات على ساحة البراق. إنها ليست إجراءات أمنية، بل هي استكمال مدروس لمشروع التهويد الذي بدأ عام 1967 ولم يتوقف يوما.

وفوق كل هذا، تتصاعد الغطرسة الصهيونية مدعومة بغطاء أمريكي رسمي لا يخجل من نفسه: أسلحة تُصبّ على رأس غزة، وفيتو يحمي الاحتلال في مجلس الأمن، وإدارة واشنطن التي تقدم نفسها وسيطا وهي طرف أصيل في الحرب على الشعب الفلسطيني. وما جرى في غزة منذ أكتوبر 2023 – وما زال يجري – ليس حربا بالمعنى المتعارف عليه، بل هو إبادة موثقة بالصورة والصوت، شهدها العالم، وتقاعس عن وقفها، وهو عار سيلاحق هذا العصر في صفحات التاريخ.

الصمود عقيدة لا خيارا

ثمانون عاما منذ النكبة الكبرى عام 1948، والشعب الفلسطيني لم يُلغَ ولم يذُب ولم ينسَ. هذا وحده معجزة التاريخ الحديث. شعب شُرِّد وأُقصي وحوصر وقصف، غير أنه أنجب الشعر والأغنية والمقاومة، وربى أجيالا تحفظ أسماء القرى التي دمرها الاحتلال كما نحفظ أسماء أبنائنا.

يوم الأرض اليوم ليس مجرد ذكرى تاريخية تستحضر في المحافل وتدرج في البرامج ثم تنسى. إنه عهد متجدد في كل مرة يرفع فيها طفل في غزة أو جنين أو رام الله أو حيفا أو الناصرة حجرا في وجه الآلة العسكرية، وفي كل مرة تشد فيها أم ثوبها على صدر شهيد وتقول: الله يرحمك يا ولدي، وفلسطين ستُحرَّر. وفي كل مرة يعلن فيها مزارع في النقب أنه لن يتنازل عن شبر من أرض أبيه مهما طال الحصار.

عهد لا ينقض

في يوم الأرض الخمسين، لا يسعني إلا أن أقول بصوت الإعلامي والإنسان والعربي المسلم: إن هذه القضية لم تنته، ولن تنتهي بالإملاء ولا بالقوة ولا بسياسة الأمر الواقع. التاريخ علمنا أن شعوبا صمدت أطول مما تحمّل الغالبون، وأن للحق دورة في الزمن.

فلسطين ليست ملفا دبلوماسيا يُفتح ويُغلق على طاولات التفاوض، ولا قضية إنسانية تُسكَت بشاحنات الإغاثة. فلسطين وطن وشعب وهوية وحق تاريخي وأخلاقي وقانوني لا يسقط بالتقادم.

ولذا، في هذا اليوم، نجدد العهد مع كل شهيد سقط منذ مخضرم الكفاح حتى شهداء غزة اليوم: الأرض ستعود، والشعب سيبقى، والحق لن يُدفن مع أصحابه.

تحيا فلسطين حرة من النهر إلى البحر

#يوم_الأرض_الفلســـطيني

#حسن_اليوسفي_المغاري في الذكرى الخمسين ليوم الأرض الفلسطيني

– 30 مارس 202

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى