فواصل

الإسلام السياسي في المغرب بين الدولة والمجتمع.. 2 الدولة وإستراتيجية الإدماج

فواصل –

حسن اليوسفي المغاري –

 

 تقديم

توقفنا في الحلقة الأولى عند التأطير المفاهيمي والتاريخي، وحددنا الإشكالية المركزية للدراسة: كيف توظف الدولة المغربية الإدماج والتهميش معا أداتَي حكم في إدارة علاقتها مع الحركات الإسلامية، وأشرنا إلى أن هذه الجدلية لا تنفصل عن سياقها الإقليمي والدولي.

تتناول هذه الحلقة الثانية الوجهَ الأول من الجدلية: إستراتيجية الإدماج.. وهي إستراتيجية لا تعني القبول بالحركات الإسلامية شريكا نديا، بل هي آلية احتواء وترويض تجعل من المشاركة في المؤسسات ثمنا باهظا تدفعه الحركة من هويتها ورصيدها الشعبي. والنموذج الأكثر كشفا لهذه الجدلية هو مسار حركة التوحيد والإصلاح وذراعها السياسي حزب العدالة والتنمية، من المعارضة إلى الحكومة، ومن الحكومة إلى الهزيمة.

 

  الإسلام السياسي في المغرب بين الدولة والمجتمع..  جدلية الإدماج والتهميش            

الحلقة الثانية: الدولة وإستراتيجية الإدماج

 

أولا: إمارة المؤمنين — الإدماج من فوق

قبل الحديث عن إدماج الحركات الإسلامية في المؤسسات السياسية، لا بد من استحضار البنية التي يجري فيها هذا الإدماج: نظام إمارة المؤمنين. فالملك في المغرب ليس رئيس دولة يشرف على الشأن الديني من الخارج، بل هو “أمير المؤمنين” بموجب الدستور، مما يمنحه سلطة مرجعية عليا على الحقل الديني، وبحكم أنه يرأس المجلس العلمي الأعلى.

هذا الوضع يفرز معادلة غير متكافئة بنيويا: أي حركة إسلامية تنشط في المغرب إنما تنشط في فضاء تحكم قواعده الدولة الدينية ذاتها. فإمارة المؤمنين ليست مجرد لقب رمزي، بل هي منظومة مؤسسية متكاملة تشمل المجلس العلمي الأعلى الذي يضطلع بإصدار الفتاوى، والرابطة المحمدية للعلماء، وإمامة المساجد، وتأطير الخطاب الديني الرسمي. وما يخرج عن هذه المنظومة لا يجد أمامه غير خيارين: إما الانضواء تحت مظلتها، وإما الوقوف في مواجهتها.

غير أن هذه السلطة المرجعية العليا للدولة على الحقل الديني حملت في طياتها توترا دائما: فكلما ارتفعت منسوبات التدين في المجتمع المغربي، وكلما تنامى الوعي الإسلامي في أوساط الشباب والطلاب، وجدت الدولة نفسها أمام حاجة متجددة لإدارة هذا الحضور لا لمجرد قمعه. ومن هنا نشأت إستراتيجية الإدماج بوصفها بديلا أكثر نجاعة من المواجهة المكشوفة. ولعل أبلغ مثال راهن على هذا التوجه ما أقدمت عليه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية من تقنين للخطاب المنبري عبر ما أسمته خطة “تسديد التبليغ”، التي تُوحّد خطب الجمعة وتضبط مضامينها، في تجسيد صريح لإرادة الدولة في بسط سلطتها المرجعية على الفضاء الديني العام وتوجيهه.

 

ثانيا: التوحيد والإصلاح والعدالة والتنمية — فصل وظيفي مقصود

لفهم نموذج الإدماج في المغرب، لا بد من استحضار العلاقة الدقيقة بين حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية. فالحزب لم ينبثق عن الحركة انبثاقا تلقائيا، بل إن أعضاء من الحركة انخرطوا في العمل السياسي المباشر وأمدّوا الحزب بكوادرهم وعناصرهم البشرية، في إطار فصل وظيفي مقصود بين الدعوي والسياسي.

هذا الفصل لم يكن مجرد اختيار تنظيمي، بل كان شرطا ضمنيا للاعتراف المؤسسي. فالدولة لم تكن لتقبل بحركة تجمع في يد واحدة الدعوة والسياسة دون أن تفضي إلى منافسة مباشرة لإمارة المؤمنين. وبقبول هذا الفصل، أرسلت الحركة رسالة واضحة: نحن نلتزم بالثوابت الدستورية ونعترف بالمرجعية العليا لأمير المؤمنين، وفي المقابل نطالب بهامش مشروع من الحضور السياسي.

وقد مرت الحركة قبل ذلك بمسار طويل من التحولات الفكرية والتنظيمية. ففي بداياتها، نمت الحركات الإسلامية الجامعية في السبعينيات بعيدا عن أي انخراط مؤسسي، وكانت خطابات المواجهة أكثر إغراء من برامج الإصلاح التدريجي. غير أن الحصيلة الكارثية لنهج المواجهة في سياقات إسلامية مجاورة دفعت قياداتها إلى مراجعات فكرية معمقة أفضت إلى قبول قواعد اللعبة السياسية المغربية.

 

ثالثا: من المعارضة إلى الحكومة — صعود محسوب

دخل حزب العدالة والتنمية البرلمان لأول مرة عام 1997 بنتائج متواضعة، لكنه راكم حضوره تدريجيا حتى غدا القوة البرلمانية الأولى في انتخابات 2011 في أعقاب موجة الربيع العربي وحراك 20 فبراير. وكان وصوله إلى رئاسة الحكومة في تلك اللحظة بالذات نتيجة لتقاطع عوامل ثلاثة: ثقله الانتخابي الذي لم يكن ممكنا تجاهله، وحاجة الدولة إلى واجهة ذات مصداقية في مواجهة ضغوط الشارع، ورهان القصر على أن الإدماج الكامل سيُثبت فاعليته في ترويض هذا التيار.

غير أن السنوات العشر من الحكومة (2011-2021) كشفت عن ديناميكية الإدماج بكل تناقضاتها. فالحزب الذي دخل الحكومة رافعا شعارات الإصلاح والشفافية ومحاربة الفساد وجد نفسه يُدار لا يُدير، ويستجيب لشروط اللعبة أكثر مما يغيرها. وتراكمت القرارات المكلفة التي أحرجت قواعده الشعبية دون أن تعكس أولوياته الحقيقية، كإصلاح صندوق المقاصة ورفع الدعم وغيرها من القرارات الاجتماعية المجحفة التي كانت أقرب إلى أجندة الدولة منها إلى برنامج حركة إسلامية تدعي الدفاع عن الفئات الشعبية.

 

رابعا: اللحظة الكاشفة — توقيع العثماني على اتفاقيات أبراهام

في ديسمبر 2020، وقف سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية والقيادي في حركة التوحيد والإصلاح، أمام الملك ليوقع اتفاقيات أبراهام التي أرست تطبيعا رسميا بين المغرب وإسرائيل، برعاية أمريكية وفي سياق إقليمي يعيد رسم خريطة التحالفات.

كانت اللحظة بالغة الدلالة، ليس فقط بوصفها قرارا سياسيا سياديا مثيرا للجدل، بل بوصفها كاشفة عن طبيعة الإدماج في أعمق تجلياته. فالرجل الذي بنى مشروعيته السياسية في جزء منها على الدفاع عن القضية الفلسطينية بوصفها ثابتا إسلاميا وأخلاقيا، وقّع بيده وثيقة تُقيم علاقات رسمية مع إسرائيل.

وقد أفرز هذا التوقيع شرخا حقيقيا بين الحركة والحزب، كان أبرز وجوهه الدكتور المقرئ أبو زيد الذي جمّد عضويته في الحزب احتجاجا صريحا على هذا القرار. وكانت حركة التوحيد والإصلاح ذاتها قد أصدرت موقفا رافضا للتطبيع، معتبرة إياه خطوة مرفوضة لا تنسجم مع موقع المغرب رئيسا للجنة القدس. غير أن هذا الشرخ طُوي لاحقا وجرى ترميمه دون مراجعة حقيقية لمسار التطبيع، مما يطرح تساؤلا جديا: هل كان الترميم قناعة أم براغماتية فرضتها ضرورة الحفاظ على التماسك التنظيمي؟

 

خامسا: 2021 — الهزيمة كنتيجة حتمية

في انتخابات سبتمبر 2021، مُني حزب العدالة والتنمية بهزيمة انتخابية مدوّية، إذ تراجع من الحزب الأول في البرلمان إلى الحزب الثالث عشر، ولم يفز إلا بثلاثة عشر مقعدا بعد أن كان يحوز مئة وخمسة وعشرين. وكان هذا التراجع الكاسح معبّرا عن خلاصة شعبية واضحة: “القواعد” التي منحت الحزب صوتها في 2011 و2016 لم تر في تجربته الحكومية ما يستحق التجديد.

الهزيمة لم تكن مجرد عقاب انتخابي عادي، بل كانت حصيلة إدماج مفرط أفقد الحزب تمايزه. فالحركة التي كانت تشكل بديلا أخلاقيا ومرجعيا واضحا في مواجهة منظومة الفساد والريع، صارت بعد عقد في السلطة جزءا من هذه المنظومة في نظر قطاعات واسعة من ناخبيها.

 

خاتمة الحلقة الثانية — التوظيف الاستراتيجي للإدماج

الجواب على سؤال “من يُدمج من؟” الذي طرحناه في الحلقة الأولى باتت تقدمه الوقائع بوضوح لا لبس فيه: الدولة هي من أدمجت الحزب لا العكس. والدليل ليس توقيع أبراهام وحده، بل مجمل مسار عشر سنوات من الحكم أثبتت أن الحزب كان يُدار أكثر مما يُدير.

بل إن المشهد يكشف عن شيء أعمق من مجرد الإدماج: الدولة وظفت الحزب توظيفا استراتيجيا ممنهجا، إذ أوكلت إليه مهمة تمرير القرارات الصعبة اجتماعيا التي كانت ستكلفها سياسيا لو أقدمت عليها مباشرة. وحين أدّى الحزب هذه الوظائف وأُفرغ من رصيده، لم يعد ثمة ما يدعو إلى إبقائه في واجهة المشهد.

ولا يمكن فصل هذه الخلاصة عن سياق دولي وإقليمي منظم يستهدف الحركات الإسلامية في مجملها. فمنذ سقوط تجربة الإسلام السياسي في مصر عام 2013، انطلقت موجة إقليمية واسعة تقودها الإمارات والسعودية لمحاربة الحركات الإسلامية وتصنيفها في خانة التهديد الأمني. وفي هذا السياق تندرج اتفاقيات أبراهام بوصفها ليس مجرد تطبيع دبلوماسي، بل منظومة استراتيجية متكاملة تعيد رسم التحالفات الإقليمية على حساب كل خطاب إسلامي يرفع القضية الفلسطينية شعارا. ووجود العثماني موقّعا على هذه الوثيقة كان في الوقت ذاته رسالة بالغة الوضوح: الإسلام السياسي المُدمَج في المؤسسة لن يكون عائقا أمام الخيارات الاستراتيجية الكبرى للدولة. لكن مقابل هذا النموذج الذي اختار الإدماج ودفع ثمنه، ثمة نموذج آخر اختار رفض قواعد اللعبة منذ البداية ولا يزال يدفع ثمن هذا الرفض بأشكال مختلفة. وهو ما ستتناوله الحلقة الثالثة.

 

نُشر على صفحات بيان اليوم الخميس 05 مارس 2025 _ الصفحة 10

 

الحلقة الثالثة ضمن عدد قابل وتتناول: جماعة العدل والإحسان — الحصار ومساراته

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى