فواصل

الدعم العمومي للصحافة في المغرب: كيف يتحوّل المال العام إلى أداة تطويع وصمت؟

فواصل

الدعم العمومي للصحافة في المغرب: كيف يتحوّل المال العام إلى أداة تطويع وصمت؟

حسن اليوسفي المغاري

لا يحتاج الواقع الإعلامي المغربي إلى جهد كبير لكشف اختلالاته البنيوية؛ فالأرقام الدالة على الدعم العمومي كفيلة بتقديم الصورة كاملة. ففي غضون سنوات قليلة فقط، انتقل حجم الدعم من 5.5 مليار سنتيم سنة 2019 إلى 20.5 مليار سنتيم سنة 2020، ليبلغ اليوم 26.5 مليار سنتيم، مع توقعات رسمية تشير إلى الوصول إلى 27.7 مليار سنتيم سنة 2026.
ورغم هذه القفزة المالية الهائلة، لم يظهر أي أثر إيجابي على جودة المنتوج الصحافي أو استقلاليته أو جرأته المهنية. ما انعكس فعلاً هو شيء واحد: تضاعف الصمت، واتساع هامش التردد، وازدياد مناخ الخضوع غير المعلن.

الدعم العمومي: من شبكة أمان إلى أداة ضغط سياسي

الدعم العمومي، في فلسفته الأصلية، آلية لوقاية المقاولات الصحفية من الهشاشة المالية. غير أن هذا الهدف انقلب رأسا على عقب. فبدل أن يعزز الاستقلالية التحريرية ويحصّن الصحافي من الضغوط، صار يشكل أداة لضبط السلوك الإعلامي، عبر معادلة واضحة: كلما ارتفع الدعم، انخفض مستوى المساءلة.

في ظل هذا الواقع، يصبح من الصعب توقع أن تُحرج مؤسسة إعلامية تعتمد في توازناتها المالية على المال العمومي، جهةً حكومية تمثل مصدر تمويلها. كما يصبح من غير الواقعي مطالبة صحافي – يتلقى أجره مباشرة عبر حسابات وزارية – بإنتاج تحقيق صحافي يزعج نفس الجهة التي تموّله.

الرقابة الذاتية المدفوعة: أخطر تهديد للصحافة المغربية

المشكلة ليست في الرقابة القانونية، بل في الرقابة الذاتية التي تنشأ داخل الصحافي نفسه. حين يدرك الصحافي أنّ راتبه الشهري مصدره حساب حكومي وليس مشغله الحقيقي، تتشكل علاقة تبعية غير معلنة.
في هذه اللحظة، يتحوّل الأجر إلى سيفٍ مُعلّق، ويصبح التردد في الكتابة جزءاً من “النظام الأخلاقي الجديد” داخل المهنة.
لا حاجة للتهديد أو المنع أو المكالمة الليلية. يكفي استحضار مصدر الراتب لتنكسر الجرأة، ويتحوّل النقد إلى مجرّد تلميح.

هذه الرقابة الناعمة أخطر من الرقابة الصلبة لأنها تعمل من الداخل، وتحوّل الصحفي إلى رقيب على ذاته، وإلى فاعل في إنتاج الصمت دون أن يُطلب منه ذلك.

الدعم العمومي للصحافة في المغرب: كيف يتحوّل المال العام إلى أداة تطويع وصمت؟
الدعم العمومي للصحافة في المغرب: كيف يتحوّل المال العام إلى أداة تطويع وصمت؟

المؤسسات الكبرى: قوية ماليا وضعيفة مهنيا

السؤال الجوهري:
لماذا تحتاج المؤسسات الإعلامية الكبرى، التي تهيمن على سوق الإشهار وتملك موارد معتبرة، إلى حصص وازنة من الدعم العمومي؟

الجواب الأكثر بساطة والأكثر واقعية: الدعم لم يعد وسيلة دعم، بل أصبح أداة ضمان ولاء.
والولاء هنا يعني تجنّب الاصطدام، وتغليب السلامة، والصمت أمام ما يستحقّ المساءلة.

وهكذا تحوّل المشهد الإعلامي المغربي إلى فضاء يمتلئ بضجيج الترفيه والتفاهة، ويخلو من صوت النقد العميق أو التقارير الاستقصائية أو كشف الاختلالات الحقيقية.

دعم بلا معايير = إعلام بلا وظيفة اجتماعية

طالما ظل الدعم العمومي غير مرتبط بمعايير موضوعية مثل الجودة التحريرية، الإنجاز الصحافي، الخدمة العمومية، والشفافية المالية، سيبقى مجرد مقابل للصمت وليس رافعة للتطوير.
المشكلة ليست في وجود الدعم، بل في طبيعة هندسته الحالية وفي انزياحه عن أهدافه الديمقراطية.

عندما يغيب المنطق التعاقدي بين الدولة والمؤسسة الإعلامية، يتحوّل الدعم إلى تعويض سياسي، لا إلى سياسة عمومية.

خلاصة: أزمة استقلالية وإرادة سياسية

الأزمة ليست أزمة مال، بل أزمة استقلالية.
وليست أزمة قوانين، بل أزمة إرادة سياسية لإصلاح قطاع حيوي.
إنها أزمة علاقة مختلة بين الإعلام والسلطة، وأزمة بنية إعلامية صارت أقرب إلى جهاز وظيفي منها إلى سلطة رابعة.

الصحافة التي تُموّل من أجل الصمت لن تُنتج رأياً عاماً واعياً.
والصحافي الذي يعيش تحت سيف الأجر العمومي لا يمكنه أن يكون صوتاً حراً.
والمؤسسة التي تخاف الوزير لا تستطيع أن تحمي الديمقراطية، لا بحدّها الأدنى ولا بقيمتها العليا.

إن إعادة بناء منظومة الدعم وفق معايير صارمة وشفافة ومهنية ليست خياراً، بل شرطاً لازماً لإعادة الاعتبار للصحافة، ولتجديد وظيفتها كمؤسسة رقابية، لا كجهاز تابع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى