حين يلتقي الدستوري بالمهني: هل يكسر مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة جدار الأغلبية؟

فواصل –
حين يلتقي الدستوري بالمهني: هل يكسر مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة جدار الأغلبية؟
دخل مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة منعطفا سياسيا ودستوريا دقيقا، بعدما تحوّل من مجرد نص تشريعي مثير للجدل إلى اختبار حقيقي لمدى احترام مبدأ التنظيم الذاتي للصحافة، كما نص عليه الدستور، ولقابلية الأغلبية الحكومية نفسها على استيعاب النقد القادم من داخلها قبل المعارضة.
منذ لحظة عرض مشروع القانون، بدا واضحا أن النقاش حوله تجاوز حدود التقنية التشريعية، ليأخذ طابعا سياديا مرتبطا بحرية الصحافة، واستقلال المؤسسات المهنية، وحدود تدخل السلطة التنفيذية في إعادة هندسة الحقل الإعلامي. ومع تصاعد الاحتجاجات المهنية، ورفض عدد من الهيئات الصحافية والنقابية للصيغة المعتمدة، انتقل الصراع من الفضاء العمومي إلى أروقة البرلمان.
المحكمة الدستورية كخيار سياسي
في هذا السياق، برز خيار اللجوء إلى المحكمة الدستورية كآلية دستورية مشروعة، لا فقط للطعن في بعض المقتضيات، بل لإعادة النقاش إلى أصله:
هل يحترم مشروع القانون روح الدستور، أم يؤسس لمنطق “تنظيم فوقي” يقوّض فكرة التنظيم الذاتي التي تشكل جوهر المجلس الوطني للصحافة؟
اللافت في مجريات هذا الملف ليس فقط تنسيق مكونات المعارضة فيما بينها، بل السيناريو المتداول – ولو على سبيل الافتراض السياسي – بانضمام فريق حزب الاستقلال، أحد تلاثي الأغلبية الحكومية، إلى هذا المسار الدستوري، في خطوة إن تحققت ستكسر القاعدة غير المكتوبة للانضباط الحكومي.
استقلالية القرار أم حسابات الأغلبية؟
افتراض انضمام حزب الاستقلال إلى المعارضة أمام المحكمة الدستورية لا يُقرأ فقط من زاوية الأرقام البرلمانية، بل من زاوية الرمزية السياسية.
فالحزب الذي راكم تاريخا في الدفاع عن المؤسسات والشرعية الدستورية، قد يجد نفسه – في هذا السيناريو – أمام خيار صعب: الالتزام الصارم بمنطق الأغلبية، أو الانتصار لتأويل دستوري يرى أن حرية الصحافة لا تُدار بمنطق الوصاية ولا تُعاد صياغتها بقوانين تُفرغ التنظيم الذاتي من مضمونه.
مثل هذا الاصطفاف، إن حدث، – خصوصا وأننا على بُعد شهور من إجراء الانتخابات – سيحمل دلالات قوية مفادها أن بعض القوانين، خاصة تلك المرتبطة بالحريات العامة، لا يمكن أن تخضع لمنطق الأغلبية العددية، بل لمعيار الشرعية الدستورية والتوافق الوطني.
أكثر من قانون.. مسار كامل على المحك
مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة لا يختبر فقط علاقة البرلمان بالحكومة، بل يختبر أيضا صورة المغرب الحقوقية، والتزامه بتعهداته الدستورية والدولية في مجال حرية التعبير.
فالمحكمة الدستورية، في حال إحالة المشروع عليها، ستكون أمام مسؤولية تأويل النص الدستوري في شقه المتعلق باستقلال الصحافة، وتحديد ما إذا كان المشرّع قد تجاوز حدود التفويض الدستوري.
وفي هذا الإطار، فإن أي اصطفاف عابر للأغلبية والمعارضة سيعكس وعيا سياسيا بأن القضية لا تتعلق بمجلس أو ولاية أو تركيبة، بل بمسار كامل لتنظيم الصحافة في المغرب: إما مسار قائم على الاستقلالية والتعددية، أو مسار يعيد إنتاج منطق الضبط الإداري بواجهة قانونية.
خاتمة مفتوحة
بين الواقع والتخيّل السياسي، يبقى مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة واحدا من أكثر النصوص إثارة للنقاش في الولاية التشريعية الحالية. أما فرضية التحاق حزب من الأغلبية بالمعارضة أمام المحكمة الدستورية، فهي – حتى وإن ظلت في إطار الافتراض – تعكس حجم القلق الذي يثيره هذا المشروع، وتؤشر على أن معركة الصحافة اليوم لم تعد مهنية فقط، بل دستورية بامتياز.
الحمد لله على نعمة الحُلُم..