فواصل

حرية الصحافة في المغرب: منظومة دعم سخي وهندسة مُحكَمة للتأثير

3 ماي.. اليوم العالمي لحرية الصحافة

فواصل –

حسن اليوسفي المغاري –

 

مرتبة المغرب 105 من أصل 185 دولة في التصنيف العالمي لسنة 2026

 

في رسالته بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، لم يتردد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في الإفصاح عن المعادلة الجوهرية بلا مواربة: “كل الحريات تعتمد على حرية الصحافة. وبدونها، لا يمكن أن تكون هناك حقوق إنسان، ولا تنمية مستدامة – ولا سلام”، داعيا إلى توفير الحماية لحقوق الصحفيين وبناء عالم تكون فيه الحقيقة – ومن يقولون الحقيقة – في مأمن.

على وقع هذا النداء الأممي، نقرأ في تقرير منظمة “مراسلون بلا حدود” أن المغرب جاء في المرتبة 105 من أصل 185 دولة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة لسنة 2026. لكن وراء هذا الرقم تكمن صورة أكثر تعقيدا، تتجلى حين تُقرأ عبر ستة مفاتيح تحليلية: المشهد الإعلامي، والسياق السياسي، والإطار القانوني، والاقتصاد، والمجتمع، والأمن. وهي مفاتيح، حين تُستحضر مجتمعة، تكشف عن أزمة بنيوية لا تختزل في الترتيب، بل تمتد إلى طبيعة اشتغال الصحافة نفسها في المغرب.

* تعددية الواجهة وضيق الهامش

في قلب هذه الأزمة تبرز مفارقة لافتة: تعددية إعلامية ظاهرة لا تعكس في العمق تنوع الآراء السياسية الحقيقية داخل المجتمع. فالمشهد الإعلامي، رغم كثرة عناوينه، يعمل في ظل ضغوط منهجية تطال الصحفيين، خاصة المستقلين منهم، في ظل ما يصفه التقرير بـ”آلة قوية للدعاية والتضليل” تخدم أجندات قريبة من مراكز القرار. ليست المشكلة إذن في شُح المنابر، بل في ضيق الهوامش التي تتحرك داخلها.

* المتابعات القضائية والنفوذ المالي.. ضغط مزدوج

على الصعيد السياسي، يرصد التقرير لجوءا متصاعدا إلى المتابعات القضائية في مواجهة الأصوات النقدية، إلى جانب توظيف النفوذ المالي أداة للتأثير في التوجهات التحريرية. إنها معادلة مزدوجة: إكراه قانوني من جهة، وضغط اقتصادي من جهة أخرى. وفي الحالتين، تكون المحصلة واحدة: تقليص مجال النقد، ودفع المؤسسات الإعلامية نحو “توازنات” تحكمها اعتبارات البقاء أكثر مما تحكمها أخلاقيات المهنة وقواعدها.

* الإطار القانوني.. حماية دستورية وهشاشة تشريعية

رغم أن الدستور المغربي يكفل حرية التعبير، يظل الإطار التشريعي المنظِّم للعمل الصحفي هشّا في جوهره. فإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر سنة 2016 لم يُسدل الستار على الملاحقات الجنائية ضد الصحفيين، بل فُتحت بدلا منها مسارات قانونية بديلة تُبقي سيف الضغط مسلطا. ومع تراكم المتابعات وضعف استقلالية القضاء، باتت الرقابة الذاتية خيارا شبه إجباري.

يُضاف إلى ذلك أن استبدال المجلس الوطني للصحافة بلجنة مؤقتة منذ عام 2023، إثر انتهاء ولايته القانونية دون اتخاذ الإجراءات اللازمة لتجديد هياكله الانتخابية، قد فاقم هشاشة التنظيم الذاتي للمهنة. وإن كان سحب مشروع قانون 2026 – الذي كان يُهدد بتعزيز منظومة الرقابة – يمثل إشارة إيجابية، فإنها تبقى محدودة الأثر في غياب إصلاح شامل، سيما بعد تشبث الأغلبية الحكومية بالنص مع إدخال بعض التعديلات التقنية فقط، من خلال تعديلات لا علاقة لها بالجوهر الأساسي للتنظيم الذاتي، إضافة إلى الإقصاء الممنهج لدور “الصحافي الشرفي”.

* الدعم العمومي.. آلية إنقاذ أم أداة ضبط ناعم؟

الأكيد أن النموذج الاقتصادي القائم عاجز عن ضمان الاستقلال التحريري: تعاني وسائل الإعلام من شُح الإشهار الخاص، فيما تناضل المنابر المستقلة من أجل البقاء، في المقابل تحظى وسائل الإعلام المقربة من دوائر القرار بموارد أوفر استقرارا.

وهنا تحديدا يتقاطع هذا التشخيص مع معطى وطني بالغ الأهمية: الدعم العمومي الضخم الذي ضخته الدولة في القطاع منذ جائحة كوفيد-19 إلى اليوم. هذا الدعم، الذي شمل مختلف المنابر في ظاهره، قدّم نفسه إنقاذا لقطاع منهَك، لكنه في جوهره أعاد تشكيل الحقل الإعلامي على أسس غير متكافئة. فحين يُصبح التمويل العمومي عاملا حاسما في الاستمرارية، ويتوزع في سياق اقتصادي هش، تغدو الاستقلالية التحريرية رهينة توازنات دقيقة. وعندئذ لا يُقرأ الدعم مجرد سياسة اجتماعية، بل أداة للتأثير غير المباشر، أو ما يصح تسميته بـ”الضبط الناعم” للخطوط التحريرية.

* الفضاء الرقمي.. حرية مزيّفة وثقة مهدورة

على الصعيد الاجتماعي، يُضاف بُعد جديد إلى الأزمة: جمهور بات يستقي أخباره أساسا من منصات التواصل الاجتماعي. ففي فضاء رقمي مفتوح، تتراجع المعايير المهنية أمام منطق السرعة والانتشار، بينما تتمدد المعلومات المضللة وصحافة الإثارة على حساب التحقيق الرصين والتدقيق الموضوعي. هذا المناخ لا يُضعف جودة المعلومة فحسب، بل يُآكل الثقة في الإعلام برمته. ومع غياب ثقافة الدعم الفعلي للصحافة المستقلة، تجد هذه الأخيرة نفسها معزولة، بلا سند مجتمعي متين يحميها حين تشتد الأعاصير.

* الأمن.. انفراج موقت ونمط لا يتوقف

أما على صعيد الأمن، فرغم لحظة الانفراج التي أعقبت الإفراج عن صحفيين معروفين في عام 2024، فإن حالة التهديد لم تنقشع. فخلال عام 2025، تجددت الملاحقات القضائية وتصاعدت حملات التشهير الرقمي، وتعرض صحفيون لتضييقات ميدانية خلال تغطيتهم للاحتجاجات الاجتماعية. ومع مطلع 2026، استمر هذا المنحى دون انقطاع، مما يؤكد أن الأمر لا يتعلق بتجاوزات معزولة، بل بنمط ممنهج يجعل ممارسة الصحافة محفوفة بتكاليف مهنية وقانونية متصاعدة.

* خلاصة: منظومة هجينة تُدار بمنطق التكيّف لا الاستقلال

لا يتعلق المشهد إذن بمجرد ترتيب في تصنيف دولي، بل ببنية متكاملة تُفرز صحافة محدودة الاستقلالية: تعددية شكلية لا تعكس عمق المجتمع، وضغط سياسي وقانوني يحدّ من النقد، ونموذج اقتصادي هش يُغذي التبعية، ودعم عمومي سخي لكنه مُغلّف بتأثيرات غير معلنة، وجمهور متردد في الذود عن إعلام حر.

لم يعد السؤال الجوهري اليوم لماذا يحتل المغرب المرتبة 105، بل كيف تُدار الصحافة داخل منظومة هجينة تجمع بين الدعم والضغط، وتُقدّم تعددية شكلية في الواجهة بينما تُعيد رسم حدودها الفعلية من الداخل.

والثابت أن ثمة خللا بنيويا في “هندسة الحقل الإعلامي” بشقيه العمومي والخاص: نموذج اقتصادي هش مرتهن للتمويل العمومي، وإطار قانوني يُتيح مسارات متعددة للضغط، وسوق إعلامية تُدار بمنطق القابلية للتكيّف أكثر مما تُدار بمنطق الاستقلال.

في هذا السياق، تغدو الأسئلة الإجرائية أكثر إلحاحا من الشعارات البراقة: من يموّل من؟ وفق أي معايير؟ وبأي ضمانات تحول دون تحوّل التمويل إلى أداة تأثير؟ كيف يمكن بناء سوق إشهارية شفافة وغير انتقائية؟ وما الآليات الكفيلة بتحصين الخط التحريري من الاهتزازات السياسية والاقتصادية؟

دون إجابات مؤسساتية واضحة عن هذه الأسئلة، سيبقى الحديث عن الاستقلالية أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى واقع قابل للقياس والمحاسبة. وستظل الصحافة في المغرب أسيرة المعادلة الأزلية: كلما ضاقت الحرية، تقلصت المسافة نحو صحافة فاعلة ومؤثرة.

#حسن_اليوسفي_المغاري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى