الصحافة: كرامة مهنة مستمرة
قراءة في رهانات مؤتمر الصحافيين الشرفيين المنعقد تحت شعار: "إنصاف، إشراك، دعم"
فواصل –
الموضوع نشر على صفحات جريدة “بيان اليوم” بتاريخ 27 يناير 2026 العدد 10425
الصحافة: كرامة مهنة مستمرة
في زمن تتسارع فيه التحولات داخل المشهد الإعلامي، وتُعاد فيه صياغة أدوار الصحافة ووظائفها المجتمعية تحت ضغط الرقمنة، واقتصاد المنصات، وتراجع الثقة في الخبر، يظل سؤال الوفاء للصحافي قائما بإلحاح أخلاقي وسياسي: ماذا بعد أن يُطوى المسار المهني، ويُغلق دفتر الخدمة، وتبقى الذاكرة وحدها شاهدة على سنوات من الالتزام والتضحيات؟
لقد ظل الصحافي، لعقود، في قلب التحولات الكبرى، ناقلا للخبر، ومسائلا للسلطة، وحارسا للرأي العام، غالبا دون حماية حقيقية، أو ضمانات مستقرة، أو اعتراف مؤسساتي دائم. وحين ينتهي مساره الإداري، يُحال في الغالب إلى الهامش، وكأن المهنة تنتهي بانتهاء العقد، وكأن الخبرة تفقد قيمتها بمجرد مغادرة قاعة التحرير.
الصحافي الشرفي بين الوفاء المؤجل وحق الكرامة
من هنا، لا يعود النقاش حول وضع الصحافي الشرفي شأنا فئويا أو مطلبا تقنيا مرتبطا بأنظمة التقاعد، بل يتحول إلى مرآة تعكس طبيعة العلاقة بين الدولة ومن خدموا الفضاء العمومي. إنه نقاش حول معنى الوفاء في مجتمع يدّعي الاعتراف بالكفاءات، وحول مدى احترام الكرامة الإنسانية بعد سنوات من العمل في ظروف شاقة، غالبا بلا استقرار ولا حماية.
في هذا السياق، يكتسي انعقاد المؤتمر الوطني الأول لمنتدى الصحافيات والصحفيين الشرفيين بالمغرب، يوم 28 يناير بمدينة الدار البيضاء، تحت شعار: “إنصاف، إشراك، دعم”، دلالة رمزية وسياسية عميقة. فهو ليس مجرد محطة تنظيمية، بل لحظة مساءلة جماعية لسياسات عمومية ظلت تؤجل الاعتراف، وتدير الظهر للذاكرة المهنية، وتُراكم الهشاشة بدل الكرامة.
إن هذا المؤتمر يفتح نقاشا ضروريا حول موقع الصحافي المتقاعد داخل المنظومة المجتمعية:
هل هو عبء يجب تدبيره، أم رصيد يجب استثماره؟
هل هو نهاية مسار، أم بداية دور جديد؟
وبين الوفاء المؤجل وحق الكرامة، يقف “الصحافي الشرفي” اليوم مطالبا بأكثر من اعتراف رمزي:
مطالبا بحق العيش الكريم، وبالمشاركة، وبأن يكون جزءا من مستقبل المهنة، لا مجرد شاهد على ماضيها.
من التقاعد الإداري إلى التهميش الاجتماعي
بصفتي صحافيا شرفيا، متقاعدا إداريا، أجد نفسي – ومعي المئات من الزميلات والزملاء – أمام مفارقة موجعة:
نخرج من المهنة التي أفنينا فيها سنوات العمر، حاملين لقب “شرفي”، لكن دون أن يُترجم هذا الشرف إلى ضمان اجتماعي أو اعتراف مؤسساتي أو حماية تليق بتاريخنا المهني.
التقاعد، في جوهره، مرحلة طبيعية في المسار المهني لأي عامل، يفترض أن تشكّل زمن راحة واستقرار بعد سنوات من العطاء. غير أن واقع الصحافي الشرفي بالمغرب يكشف أن الإشكال لا يكمن في التقاعد نفسه، بل فيما يحيط به من فراغ تشريعي، واختلال مؤسساتي، وغياب رؤية عمومية منصفة تُنزل مبدأ الحماية الاجتماعية من مستوى الخطاب إلى مستوى الضمان الفعلي.
فالأزمة الحقيقية تتجلى في أن الصحافي، رغم دوره الحيوي في خدمة الصالح العام، لم يُدمج ضمن منظومة حماية اجتماعية واضحة ومستقرة، تأخذ بعين الاعتبار خصوصية مهنته القائمة على الهشاشة البنيوية، وتعدد المشغّلين، وعدم انتظام الدخل، وضعف التغطية التعاقدية…
مسارات مهنية طويلة تُبنى في الغالب خارج أي نظام تقاعدي متماسك، لتفضي في نهايتها إلى معاشات هزيلة، أو إلى غياب تام لأي مورد قار.
ويزداد هذا الوضع تعقيدا حين نعلم أن جزءا كبيرا من الصحافيين اشتغلوا لسنوات في إطار هش.. بعقود غير مصرح بها، أو بنظام “القطعة”، أو في مؤسسات لم تحترم واجباتها الاجتماعية، دون آليات رقابية حقيقية تُلزمها بالتصريح والتغطية. وهكذا، لا يواجه الصحافي عند تقاعده نهاية مسار مهني فقط، بل يجد نفسه أمام واقع اجتماعي قاس، يكرّس الإقصاء بدل الاعتراف، والتهميش بدل الوفاء.
إن غياب سياسات عمومية منصفة في هذا المجال لا يعكس فقط خللا تقنيا في منظومة التقاعد، بل يكشف عن أزمة تصور للدور المجتمعي للصحافة نفسها. فحين يُترك من خدموا الحقيقة والرأي العام لعقود، دون حماية أو ضمانات، فإن ذلك يبعث برسالة سلبية إلى الأجيال الجديدة: أن المهنة بلا أفق اجتماعي، وبلا اعتراف مؤسساتي.
من هنا، يصبح الإصلاح ضرورة سياسية وأخلاقية، لا مجرد مطلب فئوي؛ إصلاح يعيد الاعتبار للصحافي الشرفي كمكوّن أساسي في المنظومة الديمقراطية، ويقطع مع منطق الإقصاء الصامت، عبر إدماجه في نظام حماية اجتماعية عادل، مستدام، ومبني على الإنصاف والتضامن.
المنتدى.. من مبادرة رمزية إلى فاعل نضالي
لقد شكّل تأسيس منتدى الصحافيات والصحفيين الشرفيين بالمغرب في شهر يوليوز 2023 بالرباط، لحظة وعي جماعي، وإعلانا عن خروج الصحافي “المتقاعد” من دائرة الصمت.
وخلال فترة وجيزة، استطاع هذا الإطار المستقل أن يفرض نفسه فضاء للتضامن والترافع، وأن يؤسس لثقافة جديدة عنوانها: الوفاء لا يكون بالكلمات، بل بالحقوق.
المؤتمر الوطني المرتقب ليس فقط تتويجا لمسار تأسيسي، بل هو محطة لتقييم الذات، وبناء هياكل تنظيمية قوية، وصياغة برنامج عمل واقعي، يستند إلى تشخيص دقيق لأوضاع الصحافيين الشرفيين، ويقترح بدائل عملية، بدل الاكتفاء بالتوصيف.
الإنصاف: حق لا امتياز
حين يتحول الشعار إلى مساءلة مباشرة للمنظومة السياسية
إن رفع شعار “الإنصاف، الإشراك، الدعم” لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره صيغة توافقية أو خطابا أخلاقيا عاما، بل يجب التعامل معه كـ برنامج سياسي وحقوقي ضمني، يضع المنظومة العمومية برمتها أمام مسؤولياتها التاريخية. فالقضية هنا لا تتعلق بفئة مهنية محدودة، بل بنموذج تدبير الدولة لعلاقة العمل، والاعتراف، والذاكرة المؤسسية.
فالإنصاف ليس منّة تمنحها السلطة، ولا امتيازا يخضع لمنطق الزبونية أو الريع الرمزي، بل هو حق دستوري نابع من مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية. غير أن ما تعانيه فئة الصحافيين الشرفيين اليوم يكشف خللا بنيويا في تصور السياسات العمومية، التي ما تزال تنظر إلى التقاعد بوصفه نهاية للوظيفة، لا بداية لمسؤولية جديدة للدولة تجاه من خدموا الصالح العام.
الإنصاف.. من الاعتراف إلى إعادة التموضع
حين نطالب بالإنصاف، فإننا لا نطالب بتعويض رمزي أو تكريم بروتوكولي، بل نطالب بإعادة تعريف موقع الصحافي المتقاعد “الشرفي” داخل النسق المجتمعي.
فالمنظومة السياسية، عبر غيابها عن سنّ تشريعات واضحة تضمن حقوق الصحافيين بعد التقاعد، إنما تكرّس رؤية تختزل الإنسان في “وظيفته النشطة”، وتُسقط عنه القيمة بمجرد خروجه من سوق العمل.
هذا منطق اختزالي، يُحوّل من راكموا المعرفة والتجربة إلى عبء اجتماعي، بدل اعتبارهم رأسمالا رمزيا واستراتيجيا يمكن توظيفه في التأطير، والمواكبة، وحماية الذاكرة المهنية.
إن الإبقاء على هذا الوضع هو شكل من أشكال الإقصاء المقنّع، الذي ينسف خطاب الدولة حول الاعتراف بالكفاءات، ويجعل “الإنصاف” مجرد شعار بلا أثر.
الإشراك.. ضد سياسة الإقصاء الناعم
أما الإشراك، فهو في عمقه نقد مباشر لسياسة عمومية تقوم على منطق “الإقصاء الناعم”.
فالصحافي المتقاعد يُقصى دون قرار رسمي، ودون إعلان صريح، لكن عبر آليات صامتة:
لا مكان له في النقاش العمومي، ولا حضور له في هيئات الاستشارة، ولا دور له في إصلاح المنظومة الإعلامية، رغم أنه من أكثر الفئات دراية بإكراهاتها.
إن هذا الإقصاء لا يعكس فقط أزمة قطاعية، بل يعكس خللا ديمقراطيا في تصور المشاركة. فحين تُحتكر الكلمة داخل دوائر ضيقة، وتُقصى الخبرة التاريخية، فإن ذلك يفتح المجال أمام سياسات مرتجلة، ومنظومات قانونية بلا ذاكرة.
الإشراك، في هذا السياق، ليس مجرد فتح رمزي للأبواب، بل هو إعادة توزيع للسلطة الرمزية داخل الحقل الإعلامي، بما يعيد الاعتبار لمن راكموا التجربة، ويكسر احتكار القرار.
الدعم.. مساءلة الدولة الاجتماعية
أما الدعم، فهو المحك الحقيقي لصدق الخطاب السياسي. فلا يمكن الحديث عن دولة اجتماعية، في الوقت الذي يُترك فيه صحافيون قضوا أعمارهم في خدمة الشأن العام، دون حماية صحية لائقة، أو معاش كريم، أو ضمان ضد الفقر في الشيخوخة.
هنا، يصبح السؤال موجها مباشرة إلى المنظومة السياسية:
كيف تُصرف الملايير على قطاعات غير منتجة اجتماعيا، بينما يُترك حراس الرأي العام في الهشاشة؟
كيف يمكن الحديث عن إصلاح الإعلام، في ظل غياب أي ضمان لمن صنعوا تاريخه، ولمن يسيرون اليوم على الطريق ذاته نحو وضع “الصحافي الشرفي”؟
إن غياب سياسة دعم واضحة للصحافيين الشرفيين ليس خللا تقنيا، بل اختيار سياسي يعكس أولويات مختلة، حيث تُقدَّم الحسابات الضيقة على القيم الدستورية للعدالة والكرامة.
نحو دور جديد للصحافي الشرفي
من التقاعد إلى الاستمرارية الرمزية والمعرفية: لم يعد من المقبول اليوم أن يُختزل التقاعد في معنى الانسحاب من المجال العام، أو أن يُنظر إلى الصحافي الشرفي باعتباره “ذاكرة منتهية الصلاحية”. فالتجارب الدولية الرائدة تُثبت أن التقاعد المهني يمكن أن يكون بداية لدور جديد، أكثر نضجا وتأثيرا، إذا ما توفرت له الأطر القانونية والمؤسساتية التي تضمن الاستمرارية الرمزية والمعرفية.
إن الصحافي الشرفي، بما راكمه من خبرة ميدانية، ومعرفة بالسياق السياسي والاجتماعي، وأخلاقيات المهنة، قادر على التحول من فاعل إنتاج يومي للخبر، إلى فاعل استراتيجي في صيانة المهنة نفسها.

من “المنجز اليومي” إلى “الوظيفة المرجعية”
في عدد من الديمقراطيات الإعلامية، لا يُقصى الصحافي بعد التقاعد، بل يُعاد تموضعه داخل المنظومة الإعلامية بصفته:
- مرجعا أخلاقيا ومهنيا
- موجها للأجيال الجديدة
- وسيطا بين الذاكرة الصحفية والتحولات الرقمية
في فرنسا مثلا، تلعب جمعية Journalistes retraités de France دورا أساسيا في تأطير الصحافيين الشباب، وتنظيم لقاءات مدرسية وجامعية، وتقديم شهادات مهنية حول أخلاقيات الصحافة، والتاريخ الإعلامي، والتحقق من الأخبار.
أما في كندا، فقد أُدمج الصحافيون المتقاعدون ضمن برامج Mentorship Journalism Programs، حيث يواكبون غرف الأخبار الناشئة، ويشرفون على تحرير التحقيقات الطويلة، بما يضمن نقل الخبرة بدل فقدانها.
الصحافي الشرفي كفاعل في التكوين والتحصين المهني
في ظل تصاعد الأخبار الزائفة، وتراجع الثقة في الإعلام، برز دور الصحافيين الشرفيين في التحصين القيمي للمهنة.
في ألمانيا، تستعين الجامعات والمعاهد العليا للإعلام بصحافيين متقاعدين في تدريس:
- أخلاقيات الصحافة
- تاريخ الإعلام
- الصحافة الاستقصائية
وفي السويد، يشارك الصحافيون الشرفيون ضمن مبادرات وطنية لمحاربة التضليل، حيث يساهمون في برامج توعوية موجهة للتلاميذ والطلبة حول التحقق من الأخبار ومصادرها.
من التهميش إلى الشراكة المجتمعية
في العديد من البلدان، تم تحويل الصحافي الشرفي إلى فاعل مدني داخل المجتمع، لا مجرد متقاعد:
- في بريطانيا، تفتح مؤسسات إعلامية كبرى المجال للصحافيين المتقاعدين للإشراف على التحقيقات الحساسة، أو المشاركة في مجالس التحرير الاستشارية.
- في إسبانيا، تشتغل جمعيات الصحافيين المتقاعدين مع البلديات والمكتبات العمومية لتنظيم منتديات نقاش حول حرية التعبير والذاكرة الصحفية.
هذه النماذج تؤكد أن الاعتراف بالصحافي الشرفي لا يكون فقط عبر المعاش، بل عبر إعادة إدماجه وظيفيا ورمزيا في الفضاء العمومي.
نحو نموذج مغربي منفتح: من الاعتراف الرمزي إلى الإدماج الوظيفي
إن الحديث عن نموذج مغربي منفتح في التعامل مع الصحافي الشرفي لا يمكن أن يظل حبيس النوايا، بل يقتضي انتقالا فعليا من منطق الإقصاء إلى منطق الإدماج الوظيفي داخل المنظومة الإعلامية والثقافية.
فالسياق المغربي، بما يعرفه من تحولات رقمية، وأزمات ثقة في الإعلام، وتحديات مرتبطة بالأخبار الزائفة، يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى خبرة متراكمة، قادرة على الربط بين القيم المهنية والتحولات التقنية.
في هذا الإطار، يمكن للصحافي الشرفي أن يتحول إلى فاعل محوري في عدد من المجالات الاستراتيجية:
أولا، التأطير والتكوين داخل معاهد الصحافة وكليات الإعلام، ليس فقط كأستاذ زائر عرضي، بل كحامل لتجربة ميدانية حية، تنقل للطلبة ما لا توفره المقررات النظرية: أخلاقيات الممارسة، حدود المسؤولية، آليات التحقق، وتدبير الضغوط السياسية والاقتصادية.
ثانيا، الإشراف على منصات التحقق من الأخبار، في ظل تصاعد التضليل الرقمي. فالصحافي الشرفي، بما راكمه من حس نقدي وتجربة في التثبت من المصادر، مؤهل لقيادة وحدات مستقلة للتحقق، تكون مرجعا موثوقا للمؤسسات الإعلامية وللرأي العام.
ثالثا، المساهمة في إعداد وتحيين مواثيق أخلاقية مهنية، تستجيب للتحولات الراهنة. فالمهنة في حاجة إلى ذاكرة تنظيمية تضمن الاستمرارية القيمية، وتمنع القطيعة بين الأجيال، وهو دور لا يمكن أن يؤديه سوى من عاشوا تحولات الصحافة من الداخل.
رابعا، المشاركة في لجان الوساطة والتحكيم داخل المؤسسات الإعلامية، بما يساهم في حل النزاعات المهنية، وصيانة الاستقلالية التحريرية، وترسيخ ثقافة الحوار بدل منطق العقاب والإقصاء.
خامسا، مواكبة الصحافة الجهوية والناشئة، )إنجاح ورش الجهوية المتقدمة إعلاميا(، التي تعاني في الغالب من ضعف التكوين، وقلة الموارد، وهشاشة البنيات التحريرية. وهنا يمكن للصحافي الشرفي أن يلعب دور “المستشار المهني”، مواكبا للتجارب الجديدة، وموجها لمساراتها التحريرية.
من الإدماج الفردي إلى البناء الجماعي
إلى جانب الأدوار التأطيرية والاستشارية، يمكن التفكير، في إطار نموذج مغربي منفتح، في إحداث تعاونيات إعلامية جهوية يقودها أو يواكبها صحافيون شرفيون، تشتغل بمنطق الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وتستثمر في الخبرة المتراكمة بدل تركها عرضة للهدر.
هذه التعاونيات يمكن أن تشكل فضاءات مهنية بديلة، تجمع بين الصحافيين المتقاعدين، والصحافيين الشباب، وطلبة الإعلام، في مشاريع تحريرية محلية وجهوية، تُعالج قضايا القرب، وتعيد الاعتبار للصحافة الجهوية التي تعاني من التهميش وضعف الموارد.
وسيكون للصحافي الشرفي داخل هذا النموذج دور محوري:
- مؤطر مهني يواكب الإنتاج التحريري ويضمن جودته.
- حارس للقيم الأخلاقية داخل المشروع التعاوني.
- وسيط بين الفاعلين المحليين والمؤسسات العمومية.
كما تفتح هذه التعاونيات آفاقا لإدماج الصحافيين الشرفيين في برامج الدعم العمومي، ومشاريع التنمية الجهوية، وتمويلات الاقتصاد التضامني، بما يربط بين الحق في الشغل بعد التقاعد، والحق في المساهمة في النقاش العمومي.
بهذا المعنى، لا يعود النموذج المنفتح مجرد تصور نظري، بل يتحول إلى مسار عملي لإعادة تموقع الصحافي الشرفي داخل المجتمع، بوصفه فاعلا منتجا، لا متقاعدا مهمشا. )بلغ عدد الصحفيين الشرفيين الحاصلين على بطاقة الصحافة المهنية بالمغرب لعام 2024 ، 199 صحفيا وصحفية، –وهناك العديد ممن لم يتقدم بطلب الحصول عليها– ما يؤكد وجود فئة مؤهلة للخبرة المهنية يمكن إدماجها فعليا لدعم الإعلام وتطويره، بدل الاقتصار على الاعتراف الرمزي فقط(.
غير أن كل هذه الأدوار تظل رهينة بإرادة مؤسساتية واضحة، تعترف بأن الصحافي الشرفي ليس عبئا اجتماعيا، بل رصيدا مهنيا واستراتيجيا. إرادة تنتقل من منطق التدبير الإداري للتقاعد، إلى منطق الاستثمار في الخبرة، ومن ثقافة الإقصاء إلى ثقافة الإدماج، ومن الاعتراف الشكلي إلى الشراكة الفعلية.
فبدون هذا التحول، سيظل الحديث عن نموذج منفتح مجرد خطاب، بينما يبقى الرصيد المعرفي مهدورا، والذاكرة المهنية معطلة، والفرص مهدورة. تحوّل يظل رهينا بإرادة مؤسساتية واضحة، تعترف بأن الصحافي الشرفي ليس عبئا اجتماعيا، بل رصيدا مهنيا واستراتيجيا.
كلمة البداية وليست النهاية
إن المؤتمر الوطني الأول لمنتدى الصحافيات والصحفيين الشرفيين ليس حدثا عاديا، بل هو رسالة واضحة:
زمن الصمت انتهى، وزمن المطالبة بالحق بدأ..
الصحافي الشرفي لا يريد أن يكون صفحة من الماضي، بل شريكا في الحاضر، وضمانة للمستقبل. الصحافي الشرفي ليس “نهاية مسار”، بل امتداد للقيمة المهنية.
والتحدي اليوم ليس فقط في إنصافه اجتماعيا، بل في تمكينه من أداء دور جديد، يربط بين الذاكرة والمستقبل، بين القيم والتكنولوجيا، وبين الخبرة والتحول.
الكرامة يا سادة لا تُحال على التقاعد، بل هي الشرف الحقيقي.. والمهنة التي لا تصون شيوخها، لا يمكنها أن تحمي شبابها.
